ثم قال رحمه الله تعالى: (إذا تحققت أنهم مقرون بهذا) - أي بتوحيد الربوبية وأنه لا خالق إلا الله - (وأنه لن يدخلهم في التوحيد الذي دعت إليه الرسل) . إذًا أقروا بتوحيدٍ لم يدخلهم في التوحيد الذي دَعَتْ إليه الرسل، أقروا بتوحيد الربوبية وهذا لا ينفعهم البتة، لماذا لا ينفعهم؟ لأن هذا المعنى قد وُجِدَ مع اعتقاد النفع والضُّرِّ في غير الله عز وجل، ولو كانت متخذة من جهة الوساطة، فإذًا إقراره بتوحيد الربوبية واعتقاد ذلك والإقرار باللسان أنه لا خالق إلا الله وما عُطِفَ عليه، نقول: هذا لا يدخلهم في التوحيد الذي دَعَتْ إليه الرسل، ولذلك مع كون القرآن يَتَنَزَّل لأنهم مقرون بهذا التوحيد مع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرفع عنهم السيف حتى يقروا لا إله إلا الله بالمعنى الذي جاءت به الرسل ودعاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه) أي المشركون (هو توحيد العبادة) ألا يعبد إلا الله، ولذلك لما قال له: «قولوا لا إله إلا الله» . قالوا: أجعل الآلهة إله واحدا، إذًا يعتقدون أن الله إله أليس كذلك؟ {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ} [ص: 5] ما هي الآلهة؟
الله، وهبل، والملائكة، وعيسى .. إلى آخره إله واحدًا محصورًا في الله عز وجل، نفوا هذا، أن تتحد الآلهة ويكون الإله واحدًا، قالوا: هذا لا نُسَلِّمُ به. هو توحيد العبادة الذي يُسَمِّيهِ المشركون في زماننا الاعتقاد، وكانوا يدعون الله سبحانه وتعالى ليلًا ونهارًا. إذًا توجهوا بالعبادة لغير الله عز وجل وهذا هو الشرك، وإن سماه المشركون المتأخرون بالاعتقاد مع كونهم يذكرون الله تعالى كثيرًا.
(ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله عز وجل يشفعوا لهم أو يدعو رجلًا صالحًا مثل اللات أو نبيًا مثل عيسى) . هذا الجملة أراد بها المصنف أن يَرُدَّ على من يقول بأن أولئك الأقوام: إنما عبدوا الأحجار. نقول: هذا باطل؛ لأنهم لما توجه المتأخرون إلى الحسن والحسين والجيلاني ونحو ذلك ممن اعتقدوا فيهم الصلاح قالوا: هذا ليس هو عين الشرك السابق فعندنا المشركون قسمان:
مشركون متقدمون.
ومشركون متأخرون.
الصنف غير الصنف، لا شك المتأخر غير المتقدم، هذا مخلوق وهذا مخلوق، وإنما العمل هو العمل والاعتقاد هو الاعتقاد، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا وقع الشرك عند الأوائل المتقدمين في اعتقادهم الوساطة في الصالحين نقول: هذا عينه موجود عند المتأخرين، فإذا نَفَوْا تعلق الوسائط أن تكون عند المتقدمين في غير الصالحين، أثبتناه بما جاءت فيه الآيات من إدعاء الإلوهية في عيسى ابن مريم أو في الملائكة ونحو ذلك أو في الجن الصالحين وغيرهم. إذًا أراد المصنف بهذه الجملة أن يبين أن المتأخرين إن ادَّعَوْا أن شركهم وتعلقهم بالأموات لكونهم صالحين وأن المشركين الأوائل أسلافهم إنما عبدوا الأحجار. نقول: لا، هذا الذي وقعتم فيه موجود فيما حاربه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاتل أصحابه. (أو يدعو رجلًا صالحًا مثل اللات أو نبيًا مثل عيسى) .