رابع أو خامس تجعله معك أيضًا: أن أولئك المشركين كانوا يُقِرُّون بما ثبت أنه هو التوحيد عند المتأخرين، وهو أن التوحيد الذي بُعِثَ به الرسل إنما هو أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر .. إلى آخره، وهل هذا التوحيد هو الذي وقع فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم؟
الجواب: لا؛ لأن أولئك القوم كانوا مُقِرِّين بما أقرَّ به المشركون المتأخرون من كون الله عز وجل هو الخالق المدبر .. إلى آخره، فإذا فسر لا إله إلا الله لا قادر على الاختراع إلا الله، هل هذا جاء بالتوحيد؟
الجواب: لا، لم يأت بالتوحيد، لا إله إلا الله، لا خالق إلا الله، نقول: لم يأت بالتوحيد، لماذا؟
لأن هذا التوحيد الذي فُسِّرَ به لا إله إلا الله وقد وقعت الخصومة في مفهوم لا إله إلا الله قد أَقَرَّ به المشركون، في الآية التي ذكرناها آنفًا {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} ، {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ} [يونس: 31] هذا اعتراف بتوحيد الربوبية، إذًا لو قال قائل من المتأخرين - لأن الشبه إنما تَرِدُ من طرفهم بأن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالخلق؟ نقول: أولئك القوم الذين أُرْسِلَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاتلهم وحكم عليهم بالشرك والخلود في النار إن ماتوا على ما هم عليه، نقول: كانوا مُقِرِّيَن بما ذكرتَ أنه هو التوحيد ولم تقع الخصومة بين الرسل وأقوامهم فيما ذُكِرَ من مفردات توحيد الربوبية، ولذلك قال المصنف هنا في أصل أصيل: أن هؤلاء المشركين مع اعتقادهم في الوسائط التي اتخذوها الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم يشهدون يقرون يعني يعتقدون عبر بالشهادة لأن الشهادة ماذا؟ اعتقاد، ما هي الشهادة؟
ما هي الشهادة؟!
يشهدون أن الله، ما هي الشهادة؟
شَهِدُوا ما معنى شَهِدُوا؟
أَقَرُّوا بقلبهم؟!
اعْتَقَدُوا بقلوبهم ونَطَقُوا بألسنتهم، إذًا ليس هو مجرد اعتقاد بل كانوا يقرون وينطقون بألسنتهم ما اعتقدوه بقلوبهم، وهو أن الله الخالق وحده لا شريك له في الربوبية وأنه لا يرزق إلا هو يعني أفردوه بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيها كلهم عبيده معبدون لله عز وجل وتحت تصرفه وقهره، هذا اعتقاد من؟
اعتقاد المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذ إذا وقع هذا في الأزمنة المتأخرة ولو صَدَرَ من علماء الشرك نقول: هذا هو عين الشرك الذي نَبَذَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاتل أصحابه، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهدون بهذا فاقرأ عليه الآية السابقة فقوله: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا} .. إلى قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84: 89] كثير في القرآن، إقرار المشركين بمفردات توحيد الربوبية.