فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 446

تعبدوا لله عز وجل، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط، أراد أن يبين لنا حقيقة الشرك الذي حكم الله عز وجل على أولئك القوم الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم مشركون، لم يجعلوا تلك المعبودات أصلًا في توجه العبادة إليهم. إذًا هم عبدوا الله حتى بصرفهم لنوع من أنواع العبادة لتلك المعبودات لم تقصد لذواتها، لم يقصد الصنم لذاته، لم يقصد الْمَلَك لذاته، لم يقصد الْوَلِيّ الذي دُفِنَ في القبر لذاته، وإنما جعل واسطة بين العابد وبين المعبود الحقيقي في ظنه وهو الله عز وجل، إذًا حتى مع صرفه لنوع من أنواع العبادة يعني وقوعه في الشرك لم يعتقدوا أن هذه المعبودات تنفع بذاتها بنفسها أو أنها تضر، بل جعلوها ماذا؟

وسائط بينهم وبين الله عز وجل، فإذا ادَّعَى مُدَّعٍ فيما إذا وقع الشرك لأنه لم يستغث بذلك الولي بذات الولي فإنه يعلم أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن غيره وإنما جعله شفيعًا ووسيطًا بينه وبين الله، نقول: أولئك القوم الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعلوا تلك الأصنام معبودات بذواتها، وهذا منصوص عليه أمر مجمع عليه، فإن كان الصوفية والمتأخرون لا يُسَلِّمُون بهذا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} هذا نص أو لا؟ نعم نص، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إذًا أثبتوا العبادة وأثبتوا جهة نسبة العبادة إليهم، وهو أنهم وسطاء وشفعاء بينهم وبين الله جل وعلا، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله تعالى ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين. إذًا لو ادَّعَى مُدَّعٍ بأن أولئك القوم الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما عبدوا الأصنام وهي أحجار، نقول: كذلك ثبت أنهم عبدوا الصالحين كعيسى ابن مريم، وعبدوا الملائكة، وعبدوا اللات - وهو رجل صالح كما في بعض الأقوال -، حينئذ توجهوا بأنواع من العبادات لمعبودات ظنوا صلاحها وأنها تقربهم عند الله تعالى زلفى، (فبَعَثَ الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يُجَدِّدُ لهم دينهم دين أبيهم إبراهيم ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لغيره لا لملك مُقَرَّب ولا نبي مُرْسَلٍ فضلًا عن غيرهما) .

إذًا هذا فيه بيان حال المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد اشتملوا على أمور:

أولًا: يتعبدون ويحصل عندهم نوع تعبد من حج وصلاة وذكر لله تعالى.

ثانيًا: تلك المعبودات ليست كلها أصنامًا حجرًا أو أنهم مشركون، لا، وإنما فيهم من هو صالح متفق على صلاحه كالملائكة وعيسى ابن مريم أليس كذلك؟

ثالثًا: لم يتوجهوا إلى تلك المعبودات لذوات المعبودات، بل جعلوها ماذا؟ واسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا الشرك بعينه هو الموجود عند المتأخرين، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده - وهذا أصل -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت