نقول: أولئك القوم الذين كفرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكم عليهم بالشرك ونزلت فيهم الآيات، كانوا كذلك (يتعبدون) كانوا يصلون - كما في بعضهم .. - ويحجون إلى البيت (ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا) . إذًا إذا وصف الشخص بكونه صالحًا عابدًا ناسكًا وقد وقع في الشرك نقول: عبادته لا ترفع عنه وصف الشرك. هذا قاعدة أصل عام، يأتيك عالم يأتيك .. إلى آخره يطوف بالقبر، يسجد للقبر، ينذر، يستغيث بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، صلاحه نقول: هذا قد أفسده الشرك، لأن الشرك إذا دخل العبادة أفسدها، ومن شرط صحة العبادة اجتناب الشرك، ودليله قوله جل وعلا {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، {وَلاَ تُشْرِكُواْ} هذا نهي، و {شَيْئًا} هذا نكرة في سياق النهي فيعم، ... و {تُشْرِكُواْ} هذا فعل مضارع وقع في سياق النهي فيعم، العموم في الشرك وفي الْمُشْرَكِ به {وَلاَ تُشْرِكُواْ} مطلقًا لا شركًا أكبر ولا شركًا أصغر ولا شركًا خفيًّا - على القول به - {شَيْئًا} لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا فضلًا عن أن يكون وليًّا أو قبرًا أو جنيًّا أو صنمًا أو حجرًا .. إلى آخره. قال: {وَاعْبُدُواْ اللهَ} . هذا أمر بالعبادة، وأول ما يدخل في الأمر بالعبادة هو الأمر بالتوحيد لأنه أعلى وأعظم الأوامر، فأعظم ما أمر الله به هو توحيده جل وعلا، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك، ولا يصح الأول إلا باجتناب الثاني؛ لأن الشرك والتوحيد نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا يجتمعان يعني لا يكون الرجل في الوقت نفسه موحدًا مشركًا، إذا وُجِدَ التوحيد وهو مضمون لا إله إلا الله بشروطها السبعة لَزِمَ من ذلك انتفاء الشرك، وإذا وُجِدَ الشرك حينئذ لَزِمَ منه انتفاء التوحيد، لأنه إما أنه لم يعلم مضمون لا إله إلا الله، وإما أنه قد انتقض عنده شرط أو شروط أو كل الشروط التي ذُكِرَتْ في لا إله إلا الله، إذًا لا يمكن أن يستقيم التوحيد إلا باجتناب الشرك، فإذا كان المشركون الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حصل عندهم نوع صلاح في الجملة بنوع من أنواع العبادات، نقول: ذلك لا يرفع عنه وصف الشرك. فإذا حاجّ محاجّ عن المشركين أو أورد شبهة هذا عالم هذا ولي هذا صالح هذا .. هذا .. إلى آخره، نقول: هذا صلاحه قد أفسده بماذا؟ بوقوعه في الشرك، فإن قالوا: أولئك الأقوام الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعبدون الأصنام. نقول: أيضًا كانوا يتعبدون ويحجون ويتصدقون ونحو ذلك، هذا أصل ثالث اجعله معك، ولذلك قال (ولكنهم) يعني مع تعبدهم لله عز وجل يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله عز وجل، هذه المعبودات التي صرفوا لها نوعًا من العبادة، هذا أراد المصنف أن يبين لنا حقيقة الشرك، ماذا صنع أولئك الأقوام؟ ماذا صنعوا؟