(وعرفت ما أصبح غالب الناس عليه من الجهل بهذا) المشار إليه التوحيد ومعرفة الشرك، لأنه إذا التبس التوحيد بالشرك حينئذ جاءت الطامة، لا بد وأنه يقع في الشرك ولا يسلم منه، (من الجهل بهذا) يعني التوحيد شرح التوحيد ومفهوم التوحيد وما يضاده الجهل بالتوحيد والجهل بالشرك، والجهل هنا قال: ... (من الجهل بهذا) هل يفهم منه أنه لا شرك أو لا يُحْكَمُ بالشرك على الشخص إلا لكونه جاهلًا؟ ليس هذا المراد، وإنما المراد أن من عَلِمَ فلم يَعْمَل، أو وقع في الشرك ولم يَعْلَم كلا النوعين يحكم عليهما بالشرك والكفر، لماذا؟ كما ذكرناه البارحة أن كل من وقع في الشرك الأكبر فهو المشرك، وكل من وقع في الكفر الأكبر ونحن نرى الترادف بينهما حينئذ فهو كافر، لا بد من إطلاق الاسم عليه، لأن القاعدة اللغوية والشرعية: أن كل من تلبس بحدث لا بد وأن يشتق له اسم من ذلك الحدث. فمن تلبس بالنوم يقال نائم، ومن تلبس بالقيام يقال له قائم، ومن تلبس بالضرب أحدث الضرب فهو ضارب، ومن تلبس بأن وقع عليه الضرب فهو مضروب، لا بد من هذا، فلا يقال لمن لم يضرب ضارب، صحيح؟ لا يقال لمن لم يضرب ضارب، كما أنه لا يقال لمن هو ضارب لست بضارب، قضية عكسية، صحيح؟ لا يقال: لمن لم يضرب - ما ضرب - أنت ضارب، كذبت عليه، كذلك لا يقال لمن ضرب بأنه ضارب لا يقال له لم تضرب، فإثبات الحدث لمن وقع منه الحدث نقول: هذا هو الأصل في اشتقاق العرب، لأن معنى الاشتقاق ما هو أخذ كلمة من كلمة، ولا يمكن أن يكون إلا إذا تلبس ما اشْتُقَّ له من ذلك الْمُشْتَقِّ منه بذلك الحدث، وأعوز المعتزلي الحق لما قال: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. لا يقوله إلا جاهل، لا يقوله من عرف لسان العرب، ولذلك قال هناك في المراقي:
وأعوز المعتزلي الحق
أعوزه حنقه بمعنى أنه قد قُصِمَ بهذه القاعدة وليس له جواب البتة، لأنه في لسانه هو إذا تكلف لا يقول سميع، فلان يعلم قال عالم، لماذا عالم؟ لأنه تلبس بالعلم، والله عز وجل عالم عليم بذات الصدور، قال: لا عليم بلا علم. تناقض أو لا؟
تناقض، هذا فاسد، هذا فاسد، إذًا كل من وقع في الشرك فالأصل أن نحكم عليه بأنه مشرك وأنه كافر، والجهل قد يكون لعدم وجود مَنْ يُعَلِّم، قد يكون الجهل سببه ماذا؟ عدم من يُعَلِّم، يعني لا يوجد من يُبَيِّنُ للناس التوحيد، ما وجد، قد توجد قرية لا يوجد من يُنَبِّهُ ويُعَلِّم الناس أن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة فيقعون في الشرك، مشركون أو لا؟