إذًا (يدعون الله سبحانه ليلًا ونهارًا) قال رحمه الله: (ثم منهم) . يعني من أولئك المشركين الذين أقروا بتوحيد الربوبية، (ثم) هذه للترتيب الذكري فقط، (منهم) أي: ممن أقر بتوحيد الربوبية من المشركين (من يدعو الملائكة) أراد أن يذكر لنا أنهم مع إقرارهم بتوحيد الربوبية قد صرفوا أنواع من العبادات لغير الله، وذكر ثلاثة أنواع من المعبودات، ذكر ثلاثة أنواع من المعبودات ولها مقصد عند المصنف رحمه الله تعالى، ذكر مثالًا لأرواح طاهرة سماوية، وذكر مثالين لصالحين في الدنيا أحدهما نبي رسول، والآخر رجل صالح، لأن حجج المشركين تدور حول هذه الشبه، فأثبت المصنف أنهم مع إقرارهم بتوحيد الربوبية ثم صرفوا أنواعًا من العبادات للملائكة وهي أرواح طاهرة، وللأنبياء كـ عيسى عليه السلام، ولبعض الصالحين الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل ومع ذلك وقع بهم الشرك، لأنه من ضمن الشبه التي عندهم قالوا: تلك الآيات في القرآن كله من أوله إلى آخره نزلت في عبادة الأصنام ونحن لا نتعلق بالأصنام لا بحجر ولا شجر نحن عقلاء. وإنما تعلقهم بماذا؟ بأرواح الصالحين كـ الجيلاني والبدوي والحسين ونحو ذلك، فحينئذٍ لا بد من إثبات أن نوعًا من أولئك الأقوام الذين حكم عليهم الشرع بشركهم وأنهم كفار وقاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد توجهوا ببعض العبادات لأرواح طاهرة سماوية وأرضية، فهذا تأصيل مهم ينبغي العناية به (ثم منهم) يعني: ممن أقر بتوحيد الربوبية (من يدعو الملائكة) بعض العرب يعتقد أن الملائكة بنات الله تعالى الله! ويقولون: إن أرواح الملائكة منتشرة في كل مكان فإذا طلب منها لبت الطلب، يدعوها يا جبريل مثلًا أو يا فلان فتلبي الطلب، فلما وقع هذا فتنوا بها فحينئذٍ توجهوا إليها بصنوف من العبادات، فإذا طلب منها لبت الطلب وأجابته ولم يكن لها أصنام وتماثيل تحل فيها تلك الأرواح الطاهرة، وإنما يكون اتصالهم بهذه الأرواح بتوجيه العبادات إليها وبندائها والاستغاثة بها، فحينئذٍ تجيبهم الجن وتغيثهم فيظنون أنها الملائكة دل على ذلك قوله سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] . {أَهَؤُلَاءِ} [مَنْ؟ المشركين] [1] {أَهَؤُلَاءِ} مِنْ المشركون {إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} يسألهم الله عز وجل {قَالُوا سُبْحَانَكَ} تنزيه لله عز وجل على أن يُشْرَكَ به {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] يقول البغوي رحمه الله تعالى: قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} . نحشرهم يحشرهم قراءتان قرأ يعقوب وحفص {يَحْشُرُهُمْ} وقرأ الباقون بالنون {جَمِيعًا} يعني: هؤلاء الكفار. {ثُمَّ يَقُولُ} تعالى {لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} ....
(1) سبق.