إذا عرفنا الفصاحة .. فصاحة المتكلم: بأنها ملكةٌ إلى آخره، وعرفنا بلاغة المتكلم بأنها ملكة يلزمُ من ذلك أن يُقال بالتلازم: كل بليغٍ مِن كليمٍ يعني: من مُتكلّم أو كلامٍ فهو فصيح من غير عكس. كل متكلِّمٍ بليغ فهو فصيح ولا عكس، كل كلامٍ بليغٍ فهو فصيح ولا عكس، لماذا؟ لأن الفصاحة شرطٌ في .. أو جزء في البلاغة، البلاغة: طباقه، وجعلوا بلاغة الكلام طباقه لمقتضى المقام، هنا أَسقطَ في الحد، الأفضل أن يقول: مع فصاحته، ولذلك أُورِدَ على الناظم هذا، قيل: أسقطه لضيق النظم، لكن لم يُعذر بهذا؛ لأن إسقاط ما يؤدي إلى خَرمِ الحدّ معيب، فكان الأصل أن يأتي ببيت آخر فيكمل كما فعل السيوطي:
بلاغة الكلام أن يطابقا لمقتضى الحال وقد توافقا
فصاحةً ..
عجزَ أن يأتي بلفظ: فصاحة، الذي هو شرطٌ في حدِّ البلاغة، فأتى به في أول البيت الذي يليه:
بلاغة الكلام أن يطابقا لمقتضى الحال وقد توافقا فصاحةً، إذا أُخذت الفصاحة شرطًا وقيدًا في البلاغة يَلزمُ من ذلك أنه لا يُعد المتكلم بليغًا إلا إذا أتى بكلام فصيحٍ مطابقٍ لمقتضى الحال، قد يكون الكلام فصيحًا وليس مطابقًا لمقتضى الحال، إذن: وُجدت الفصاحة وانتفت البلاغة، مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته وُجدت البلاغة والفصاحة معًا، إذن: أيُّهما أعمّ وأيهما أخصّ؟ البلاغة أعمّ، والفصاحة أخصّ، كلما وجد الأعم وجد الأخص بلا عكس، فحينئذٍ إذا وُصفَ الكلام بأنه بليغ لزمَ أن يكون فصيحًا ولا عكس، وإذا وُصفَ بأن المتكلم بليغ لزمَ أن يكون فصيحًا ولا عكس، لذا قال السيوطي:
وحدُّها في متكلمٍ كما مضى فمن إلى البلاغة انتمى فهو فصيح ..
فمن إلى البلاغة انتمى، يعني: انتسب، فهو فصيح من كلِيِمٍ أو كلام، من كلِيِم، يعني: متكلم، أو كلام.
وعكس ذا لا يناله التزام ..
لا يلزم، عكس ذا، يعني: إذا كان الكلام فصيحًا لا يلزم أن يكون بليغًا، وإذا كان المتكلِّم فصيحًا لا يلزم أن يكون بليغًا حينئذٍ نعرفُ الرابط بين الفصاحة والبلاغة، إذن: أسقطَ أو تركَ الناظم رحمه الله تعريفَ بلاغة المتكلم؛ لأنها قريبةٌ أو مأخوذة من فصاحة المتكلِّم، وقد حدَّ لنا فصاحة المتكلم:
وذي الكلامِ صِفةٌ بها يُطيْقْ ... تأدِيةَ المقصودِ باللَّفظِ الأنيقْ
جج
بلاغة، نقول: بلاغة على وزن: فَعَالة، وفعالة هذا مصدرٌ لـ (فَعُلَ) فُعُولَة، فَعَاَلَةٌ لـ (فَعُلَ) كسَهُلَ الأمر، وزيدٌ ...
إذن: البلاغة سُميت بلاغة قالوا: لأنها تنبئ عن الوصول والانتهاء، إذ هي مأخوذة من: (بَلُغَ) بضم العين إذا انتهى، إذن: من جهة المعنى نقول: هي تُنبئُ يعني: تُشير، تُنبِئُ عن الوصول والانتهاء، ومنه البلوغ إذا كَمُل، أليس كذلك؟
أما في الاصطلاح فقال: الناظم:
وجَعلُوا بَلاغةَ الكلامِ ... طِباقَهُ لِمُقتضى المَقامِ
ج
وجعلوا: تعريف صاحب الأصل أنه قال البلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، هذا حدُّ بلاغة الكلام:
بلاغةُ الكلامِ أن يطابقا ... لمقتضى الحال وقد توافقا
فصاحةً ..