إذًا: على كلامه هنا: (يَرِدْ إِلى اخْتِصَاصِ) أي: إلى كناية ذي، أي: صاحبة اختصاص، وعرفنا (اخْتِصَاصِ) هنا المراد به النسبة، وهي إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفيه عنه، وهي ليس بشيءٍ ملفوظ، وإنما يُدرك بالعقل، فهي دلالة التزاميَّة، اختصاص ماذا؟ (اخْتِصَاصِ الوَصْفِ بالموصوفِ) يعني: اختصاص الوصف الذي هو الكرم مَثلًا بالموصوف الذي هو زيد، أو المَجد بالموصف الذي هو زيد: المَجْد بين بُرديه .. الكرم في ثوبه، حينئذٍ خَصَصْتَّ زيدًا بكونه كريمًا دون غيره.
إذًا: النوع الأول من أنواع الكِنَايَة: (اخْتِصَاصِ الوَصْفِ بالموصوفِ) وهو ما يُطلب به نِسبةٌ، أي: إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفيه عنه، فَصَارت النِّسبة هنا من مطلوبه بالكِنَايَة، وهو المقصود نسبته لغيره، بِمعنى: أنَّه أراد الاختصاص ابتداءً قبل الوصف والموصوف، فالمقصود بالكِنَايَة هو الذي يُعتبَر أصالةً، فهنا إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفيه عنه هو المقصود بالأصالة، والوصف والموصوف إنما يذكران تبعًا، فصارت النِّسبة هنا من مطلوبه بالكِنَايَة، وهو المقصود نسبته لغيره.
كقولهم: المَجد في بُرديه .. ثوبيه يعني، أو: الكرم في ثوبه، فإنهما كنايتان عن ثبوت المَجْد والكرم له، انظر! ثبوت المَجْد والكرم له، لمن؟ لزيد مثلًا، وهنا لا بُدَّ أن يكون ثَمَّ اختصاص، يعني: إذا كان ثَمَّ من يُشاركه فلا، وإنما المراد به كونه مُختصًْا بهذا الوصف دون غيره، فلو لم يكن كذلك لَمَا صَحَّت الكِنَايَة، ولذلك نَصَّ على اختصاص، لا بُدَّ أن يكون الوصف بالموصوف مُخْتصًا بالمذكور.
كقولهم: المَجد في بُرديه، أو: الكرم في ثوبه، فإنهما كنايتان عن ثبوت المجد والكرم له، حيث لم يُصرِّح بذلك، قال السيوطي:"بأن يقول: هو مُختَصٌ بكذا ونَحوه"يعني: لم يُصرِّح بالنِّسبة بأن يقول: زيدٌ مُختصٌ بالكرم مثلًا، نَصَّ على ذلك في (شَرح عُقود الجُمَان) السيوطي نفسه رحمه الله تعالى.
بَل كنَّى عنه بكونهما في بُرديه وفي ثوبه، يعني: إذا قيل: الكرم في ثوبه، صار الثوب مُحيطًا به، وإذا كان الثوب مُحيطًا به صار لا يَخرج عنه، وكذلك إذا كان الكرم أو المجد في برديه: إزاره وردائه، حينئذٍ اخْتَصَّ به، لماذا؟ لكون الشيء المُحيط بشيءٍ مُعيَّن وله حدود حينئذٍ لم يَخرج عنه إلى غيره بل هو كائنٌ فيه، والذي يكون في داخل الثوب من هو؟ زيد، والذي يكون في داخل البردين هو زيد، حينئذٍ لم يَخرج عنه فاخْتَص الكرم به والمجد به، وهذا كما ترى معنىً بليغ.
بَل كنَّى عنه بكونهما في بُرديه وفي ثوبه، وجعلهما فيما يَختص به ويَشتمل عليه، فإن الأمر إذا أُثْبِتَ فيما يَختصُّ بالرجل ويَحويه من ثوبٍ ومكان فقد أُثْبِتَ له، يعني: على جهة الاختصاص: المَجْد في ثوبه، والثوب مَحدودٌ .. له حَدٌّ وغاية، والذي فيه هو شخص زيد، والكرم معه، إذًا: هو عين الكرم.