وصًحَّ اعتبار كون مجموعه مجازًا مع كون مفرداته حقيقةً بِملاحظة الإرادة لا الإفادة، لأنَّه إذا قيل بأنَّه إذا رُوعي الإسناد .. الإسناد حقيقي، والمفردات حقيقة، إذًا: كيف اعتبرناه مجازًا، هل المراد: الإرادة أَمِ الإفادة؟ إن قلنا بالإفادة فهو حقيقة ليس بِمجاز، وإن عنينا الإرادة .. إرادة المتكلِّم الذي حصل التشبيه أولًا ثُمَّ الادِّعاء حينئذٍ صار مجازًا، لأنَّه أراد استعمال ذاك اللفظ المركَّب في غير المعنى الذي وضع له أصالةً، باعتبار هذه الإرادة هو مجازٌ، وإلا المفردات حقيقة، والإسناد فيه حقيقة.
حينئذٍ: الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ، اللَّبن .. الصيف .. أنتِ، كلها مسند على حقيقته، ليس عندنا إسناد شيء إلى غير ما هو له في الظَّاهر، فالإسناد كما هو حقيقي، وكذلك الألفاظ: اللَّبَنُ هو اللَّبَنْ، وَأَنْتِ أَنْتِ، وَالصَّيف المراد به: الصَّيف، حينئذٍ مفردات، أين المجاز؟ المجاز في الإرادة، وإمَّا إفادة اللفظ فهي من جهة الإسناد وهي حقيقية، ومن جهة المفردات فهي حقيقية.
وصح اعتبار كون مجموعه مجازًا مع كون مفرداته حقيقةً بِملاحظة الإرادة لا الإفادة، لأنَّ قولك: فلانٌ يُقَدِّم رِجلًا ويؤخِّر أخرى، معناه المقصود بالإفادة حقيقي، لكنَّه ليس بِمرادٍ، يعني: المتكلِّم، وإنَّما المراد: ما يُماثِله من التَّردُّد، يعني: استعمل هذا اللفظ في غير معناه الذي وُضع له، واللفظ لمََّا استعمله في المعنى المتردِّد فيه الذي هو الصورة الثانية بقي اللفظ في الدَّلالة على الحقيقة، وبقي الإسناد في الدَّلالة على الحقيقة، وإنَّما الذي تغيَّر هو إرادة المتكلم.
ولهذا سُمِّي التمثيل مُطلقًا، والتَّمثيل على سبيل الاستعارة، أي: طريقها ولم يُسمَّ استعارةً هكذا فقط، لأنَّ الاستعارة فيها: استعمال اللفظ في غير ما وُضِع له، وهنا اللفظ كما هو لم يُبَدَّل ولم يُغَيَّر ولم يسمَ استعارة لِمَا في اللفظ - لفظ الاستعارة - من إيهام التَّجوُّز في المفردات.
وإنْ أتى استعارةً مرَكَّبُ ... فَمَثَلًا يُدعى. . . . . . .
أي: يسمى مثلًا، (ولا يُنَكَّبُ) يعني: لا يَتَغيَّر عمَّا كان عليه موردها.
ثم قال رحمه الله تعالى:
(فَصْلٌ: فِي تَغْيِيرِ الإعْرَاب)
(فَصْلٌ) أي: هذا كلامٌ فاصلٌُ أو مفصولٌ على ما سبق، (في تغييرِ) (تغييرِ) هذا مصدر، وهنا المراد به من إطلاق المصدر وإرادة أثره، و (الإعراب) كذلك مصدر، والمراد به هنا: أثرٌ ظاهرٌ أو مُقدَّر يَجلبه العامل في آخر الكلمة أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلة الآخر.
(فِي تَغْيِيرِ الإعْرَاب) قلنا: المراد بالمصدر هنا: أثره، الكلمة كما توصف بالمجاز لِنقلِها عن معناها الأصلي، كذلك تُوصَف به لِنقلها عن إعرابها الأصلي، الكلمة كما أنَّها توصف بالمجاز إذا نُقِلَت من الدَّلالة على معناها الأصلي إلى المعنى المجازي، حينئذٍ إذا استعملت لفظ (الأسد) في الرَّجل الشُّجاع نَقَلت اللفظ (الأسد) من الدَّلالة على الحيوان المفترس إلى معنىً آخر وهو معنىً مجازي حينئذٍ نقلت اللفظ من الدَّلالة على معنى إلى معنىً آخر وهو: مجاز.