فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 828

إذن: ضربَ زيدٌ غلامه، على ماذا نريد أن نمثّل؟ عودُ الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً، ضرب غلامَهُ زيدٌ:

جزى رَبُّهُ عَنِّي عديَّ بنَ حاتِم

جزى: فعل ماضي، ربه: فاعل ومضاف إليه، الضمير هذا يرجع إلى أي شيء؟ إلى عدي، جزى ربه عديَّ .. جزى ربه عني عديًا، عدي هذا مفعول به لجزى، وهنا جاء الفاعل في رتبته وهو متقدِّمٌ لفظًا، وجاء المفعول في رتبته وهو متأخر، ولكن هذا التركيب مُختلَفٌ في جوازه، جمهورُ النحاة على منعه، لماذا؟ لأن الضمير الذي اتصل بالفاعل قد رجع إلى متأخر لفظًا ورتبةً، عديًا هذا متأخر في اللفظ نُطقَ به بعد الفاعل، ورتبةً؛ لأنه جاء في محله، جاءَ في محله بعد الفعل، نعم، يعني: فصلَ بين العامل .. انفصل عن العامل بالفاعل، جزى ربه عني عدي، هنا عاد الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً، والأصل في الضمير أنه يعود إلى متقدم لفظًا ورتبةً، لماذا؟

لأن الضمير مُبهم؛ مجمل يحتاج إلى مُفسِّر؛ يحتاج إلى مُبين؛ إلى موضِّح، فالأصل فيه أن يُفسَّر أولًا ثم بعد ذلك يؤتى بالضمير، فلذلك امتنعَ عند الجمهور أن يعود الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً هذا الجمهور، وجوّزه البعض، قال: لا مانع أن يعود الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً، شعرًا ونثرًا، وبعضهم فصّل؛ قال: يجوز عَودُ الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً شعرًا لا نثرًا؛ فالأقوال ثلاثة:

المنع مطلقًا وهو للجمهور، الجواز مطلقًا وهو لبعضهم كابن جني وابن مالك، التفصيل: أنه يجوز في الشعر دون النثر، الجمهور يمنعون، قالوا: لأنه لم يُنقل عن العرب في النثر أنه عاد الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً إلا ما استُثنيَ، ولكل قاعدة مُستثنَيات، أما إذا سُمعَ من كلام العرب في الشعر ما ظهره عود الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً فهو إما مؤوَّل وإما شاذ، إما مؤوَّل، يعني: نُوجد له تعليل سائغ، وإما أنه شاذ إذا لم يمكن تأويله، وهذا جريٌ على أن التقعيد يقعد، وكل ما خالف القاعدة لا بد من تأويله أو شذوذه، على حدِّ قول بعضهم: كل آية أو حديث خالف مذهبنا فهو إما منسوخ أو ضعيف.

فقعّدوا قاعدة: أن الضمير لا يجوز عودُه على متأخرٍ لفظًا ووصفًا، طيب! جزى رَبُّهُ عَنِّي عديَّ بنَ حاتِم، قالوا:"ربُّهُ"ليس عائدًا على عدي، وإنما عائدُ على المصدر المفهوم من جزى، الذي هو الجزاء، من باب قوله تعالى: (( اعْدِلُوا هُوَ ) ) [المائدة:8] أي: العدل، (( أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) [المائدة:8] إذن: أمكن تأويله أم لا؟ أمكن تأويله، جزى رَبُّهُ، أي: جزى ربُّ الجزاءِ عديًا، عديَّ بنَ حاتِم، إذن: الضمير لم يرجع إلى متأخرٍ ووصفًا، سلمنا؛ تأويل سائغ لا بأس به لوروده في القرآن أيضًا: (( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ ) ) [المائدة:8] هو نقول: يجبُ التأويل هنا، لم؟ لأن هو ضمير، وظاهر اللفظ أنه يعود إلى: اعدلوا، وهو جملة فعلية وفعل، والضمائر لا تعود إلا على الأسماء، حينئذٍ إما أن نقول: اعدلوا اسمٌ، وإما أن نقول: الضميرُ يرجعُ على الاسم، وليس عندنا في الظاهر اسمٌ، نحن نقول: اعدلوا هو، أي: العدل، جزى ربه، أي: رب الجزاء، لكن:

جزى بنوه أبا الغِيلان عن كِبَرٍ وحُسْنِ فعلٍ كما يُجَزى سِنِمارُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت