إذًا عندنا ثلاثة احتمالات للفاء، وأربعة احتمالات للعين، وأربعة احتمالات للام، ثلاث في أربعة باثني عشر، اثني عشر في أربعة بثمانية وأربعون، لكن لم يُسمع إلا (أسقطوا الكسرة والضمة من جميع الأحوال، لماذا؟ لأن الفعل الرباعي ثقيل، والكسر والضم ثقيل، ولا يجتمع ثقيلٌ مع ثقيل؛ لأن قاعدة العرب الكبرى: التماس الخفة؛ فالتماس الخفة دعتهم إلى أن يُسقطوا الكسر والضم من باب فَعْلَلَ، لِمَ كان الفعل الرباعي المجرد الأصول لِمَ كان ثقيلًا؟ قالوا: فعَل خفيف، فعِل وهو ثُلاثي فَعِل أخو فَعَل إلا أنه حُركت العين بالكسر، كان مفتوحًا فحُرك بالكسر فصار فيه ثِقل، بمجرد تحريك العين أو نقل العين من الفتح إلى الكسرِ صار ثقيلًا مع أنه لم يزدد حرفًا رابعًا، ثم لما ضُمَّت العين ماذا صار؟ ازداد ثقلًا على ثقله، ازداد ثقلًا بأي شيء؟ بحرفٍ زائد؟ لا، بالضمة بالحركة، إذا كان الفعل يتأثر بتغيير الحركة فما بالك إذا زيد عليه حرفٌ أصلي، فيكون بابُ فَعْلَلَ أثقل من باب فَعُل، لذلك لما ثَقُل فَعِل قلّ استعماله، ولما نُقلت الحركة من الكسر إلى الضم قلّ بالنسبة إلى فعِل، ولما زِيْد حرفٌ على الثلاثي على القول بأن أصل الرُباعي هو الثُلاثي فزيد عليه حرفٌ أصلي لما زيد حرفٌ صار فَعْلَلَ أقل استعمالًا من فعُل، لماذا؟ لثقله، ما وجه الثقل هنا؟ زيادة حرفٍ فإذا كان الثقل يوجد في الثلاثي المجرد بمجرد تغيير الكسر إلى الضم أو من الفتح إلى الكسر أو إلى الضم نقول: فمن بابٍ أولى أن يحصل الثقل في الفعل بزيادة حرفٍ أصلي، ولذلك التزموا فيه الفتحات، فتح الفاء وفتح العين وفتح اللام الأولى، هذا الأصل فيه، التزموا فيه الفتحات، لماذا؟ ليعادل الفتح وهو خفيف أخفّ الحركات ليعادل الفتح ثقل الفعل، فلما ثقُل الفعل بكثرة حروفه التزموا فتحه في جميع حروفه، فالأصل في فَعْلَلَ: فَعَلَلَ بفتح الفاء والعين واللام الأولى واللام الأخيرة للبناء، لكن هذا أوقعهم في إشكالٍ آخر: وهو لمّا التزموا الفتح في جميع الأحرف قالوا: هذه رُباعية أربعة أحرف، والقاعدة أن لغة العرب: أو أن العرب يكرهون توالي أربعِ متحركات فيما هو كلمة واحدة، وفَعَلَلَ هذا كلمة واحدة، ويكرهون توالي المتحركات، فإذا كان الفعل ثقيل والحركة التي هي الفتح ثقيل فتوالي الحركات زاد الثِقَل ثِقلًا، فقالوا: إذًا لابد من تسكين حرفٍ من هذه الثلاثة الأحرف، فاختلفوا قيل: الفاء، ولكن الفاء أبت أن تُسقط حركتها؛ لأنه لابد من تسكين حرف لتحصل الخفة، أبت الفاء لِمَ؟ لسببين, أولًا: لأنها في الصدر، وإسقاطُ حركة الصدر ممتنعٌ كإسقاط الحرف. ولذلك لَمَّا اختلف البصريون والكوفيون في اسمٍ هل هو من سِموٌ أو وَسْمٌ؟ قلنا: الأرجح أنه من سموٌ، لماذا؟ لأنه اختلف في المحذوف هل هو من الأول الصدر أو من العجز الأخير؟ نقول: الأكثر في لغة العرب أن الحذف يكون من العجز، وإذا دار الأمر بين الحذف أن يكون من الصدر أو العجز نقول: حمله على الأكثر أولى وأرجح، هذا يعتبر من المرجّحات عندهم. إذًا الفاء هنا لا يمكن إسقاط حركة الفاء يعني من الفتح إلى السكون؛ لأنه له الصدارة، والصدر قويٌ بذاته وبحركته.