يتبين لك مما سبق؛ أن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام في مبادئها وصور الحكم فيها، ومع ذلك فإن كثيرا من المسلمين اليوم لا يُكفرون من ترك شرع الله تعالى وحكم بالنظام الديمقراطي أو غيره من النظم الكافرة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
لذلك سنذكر هنا أقوال العلماء في وجوب الحكم بما أنزل الله وحرمة الحكم بالنظم والقوانين الوضعية.
1)الإمام ابن حزم:
قال رحمه الله: (فإن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته صلى الله عليه وسلم، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته صلى الله عليه وسلم، أو يوجب حدا لم يكن واجبا إلى حين موته صلى الله عليه وسلم، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته صلى الله عليه وسلم؛ فهو كافر مشرك، حلال الدم والمال، حكمه حكم المرتد ولا فرق) [190] .
وقال أيضا: (وأما من ظن أن أحدا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويحدث شريعة لم تكن في حياته صلى الله عليه وسلم فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان، لتكذيبه قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ، وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ، فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره صلى الله عليه وسلم على حكم ما ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام دينا لأن تلك العبادات والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده صلى الله عليه وسلم، هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا وليس الإسلام شيئا غيرها، فمن ترك شيئا منها فقد ترك الإسلام، ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الإسلام، ولا مرية في شيء أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله، وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية فإنما هي تفسير لما نزل قبلها وبيان لجملتها وتأكيد لأمر متقدم، وبالله تعالى التوفيق) [191] .
وقال ابن حزم أيضا: (وأيضا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأي، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر، وكلاهما كفر لا خفاء به) [192] .
وقال ابن حزم أيضا: (لأن إحداث الأحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه: إما إسقاط فرض لازم كإسقاط بعض الصلاة أو بعض الصيام أو بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعض حد الزنا أو حد القذف، أو إسقاط جميع ذلك، وإما زيادة في شيء منها، أو إحداث فرض جديد، وإما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة، وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك، وأي هذه الوجوه كان فالقائل به كافر مشرك لاحق باليهود والنصارى، والفرض على كل مسلم قتل من أجاز شيئا من هذا دون استتابة ولا قبول توبة إن تاب واستصفاء ماله لبيت مال المسلمين لأنه مبدل لدينه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه"، ومن الله تعالى نعوذ من غضبة لباطل أدت إلى مثل هذه المهالك) [193] .
2)شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال رحمه الله: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} ) [194] .
وقال أيضا: (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرا باتفاق الفقهاء) [195] .
وقال أيضا: (الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر) [196] .
3)الحافظ ابن كثير:
قال رحمه الله: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى"الياسا"وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، صدق الله العظيم) [197] .
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [سورة المائدة: 50] :(ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم"جنكز خان"الذي وضع لهم"الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله [198] حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} ؛ أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} أى ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء) [199] .
4)الشيخ أحمد شاكر:
قال في تعليقه على كلام ابن كثير السابق:(أقول: أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟
إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلا في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين علي دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم فما أسرع ما زال أثره.
أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام"جنكيز خان"؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا؛ أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمن سريعا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر.
هذه القوانين التي يصنعها ناس ينتسبون للإسلام ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء ثم يجعلون مرد أمرهم إلي معتنقي هذا الياسق العصري ويحقرون من يخالفهم في ذلك ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم رجعيا وجامدا إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي يريدون تحويله إلى ياسقهم الجديد بالهوينا واللين تارة وبالمكر والخديعة تارة وبما ملكت أيديهم من السلطان تارات، ويصرحون ولا يستحيون بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!
أفيجوز إذن مع هذا لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به عالما كان الأب أو جاهلا؟! أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به، ويعرض عن شريعة الله البينة؟!
ما أظن أن رجلا مسلما يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلا ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانا أصليا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امروء لنفسه، وكل امريء حسيب نفسه.
ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين) [200] .
5)الإمام الشوكاني:
وصف الإمام الشوكاني رحمه الله في رسالته"الدواء العاجل في دفع العدو الصائل"أحوال أهل البلاد الخارجة عن سلطان الدولة في زمانه، فقال: (فلنبين لك حال القسم الثاني: وهو حكم أهل البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها) ، إلى قوله: (منها أنهم يحكمون ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم، من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده، ولا يخافون من أحد، بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليهم من الرعايا ومن كان قريبا منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس، لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه، وهو أشهر من نار على علم، ولاشك ولا ريب أن هذا كفر بالله سبحانه وتعالى وبشريعته التي أمر بها على لسان رسوله واختارها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية) .
إلى قوله: (ومعلوم من قواعد الشريعة المطهرة ونصوصها أن من جرد نفسه لقتال هؤلاء واستعان بالله وأخلص له النية؛ فهو منصور وله العاقبة، فقد وعد الله بهذا في كتابه العزيز؛ {ولينصرن الله من ينصره} ، {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} ، {والعاقبة للمتقين} ) .
إلى أن قال: (فإن ترك من هو قادر على جهادهم؛ فهو متعرض لنزول العقوبة مستحق لما أصابه، فقد سلط الله على أهل الإسلام طوائف عقوبة لهم حيث لم ينتهوا عن المنكرات ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة، كما وقع من تسليط الخوارج في أول الإسلام، ثم تسليط القرامطة والباطنية بعدهم، ثم تسليط الترك حتى كادوا يطمسون الإسلام، وكما يقع كثيرا من تسليط الفرنج ونحوهم فاعتبروا يا أولي الأبصار إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) [201] .
6)الشيخ حمد بن عتيق النجدي:
ذكر رحمه الله في رسالته"بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك"ضمن نواقض الإسلام: (الأمر الرابع عشر؛ التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وذكر الشيخ حمد فتوى ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} ، ثم قال: (ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شابههم من تحكيم عادات آبائهم وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يسمونها"شرع الرفاقة"، يقدمونها على كتاب الله وسنة رسوله، ومن فعل ذلك فإنه كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله) [202] .
7)الشيخ عبد الله بن حميد:
قال رحمه الله: (ومن أصدر تشريعا عاما ملزما للناس يتعارض مع حكم الله، فهذا يخرج من الملة كافرا) [203] .
8)الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
قال في رسالته"تحكيم القوانين":(إن من الكفر الأكبر المستبين؛ تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين علي قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .
وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} .
ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم بقوله جل شأنه: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} ، والحرج؛ الضيق، بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين حتى يضموا إليهما التسليم، وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد وهو قوله جل شأنه {تسليما} المبين أنه لا يكفى هاهنا التسليم بل لابد من التسليم المطلق) [204] .
ثم ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا أكبر في أحوال، الخامس منها يصور واقع البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، وفيه قال:(الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتي، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلي الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟!).
وذِكرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع:(فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصا أو استنباطا، تَدَعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرءوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ) [205] .
9)الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:
قال في تفسير قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [سورة الإسراء: 9] : (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج من الملة الإسلامية) [206] .
وفي تفسير قوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} [سورة الكهف: 26] ، قال الشنقيطي رحمه الله:(قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر"ولا يشرك"بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه.
وقرأه ابن عامر من السبعة"ولا تُشركْ"بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحدا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: {ولا يشرك في حكمه أحدا} شامل لكل ما يقضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر، كقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} ، وقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله عليه توكلت} ، وقوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقوله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} ، وقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} ، وقوله تعالى: {له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} ، وقوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ، وقوله تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} ، إلى غير ذلك من الآيات.
ويفهم من هذه الآيات كقوله: {ولا يشرك في حكمه أحدا} ؛ أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله؛ {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم.
وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} ، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} ، وقوله تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} أي ما يعبدون إلا شيطانا، أي وذلك باتباع تشريعه، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا.
ومن أصرح الأدلة في هذا؛ أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} .
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور؛ أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم) [207] .
وفي تفسير قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [سورة محمد: 25 - 28] ، قال الشنقيطي رحمه الله: (والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ) .
إلى أن قال: (فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم؛ سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم) [208] .
10)الشيخ محمد حامد الفقي:
قال رحمه الله: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها) [209] .
11)الشيخ محمود شاكر: