لقد تبين لك مما سبق حقيقة الديمقراطية، وأنها ليست دينا سماويا ولكنها دين من وضع البشر، فالشعب هو الذي يختار أعضاء البرلمان، وهؤلاء هم الذين يضعون القانون والدستور الذي يحكم حياة الناس، وهم يعلنون ولا يستحيون أن الديمقراطية منهاج حياة.
وفيما يلي سنبين حكم الديمقراطية، وحتى لا نفتري على أصحاب"الدين الديمقراطي"فقد رأينا أن نستدل بأقوالهم بل بنصوص دساتيرهم.
ولنضرب مثالا لذلك بالدستور المصري لسنة 1971م، حيث تنص المادة الأولى منه على أن؛ (جمهورية مصر العربية دولة ذات نظام اشتراكي ديمقراطي) ، وسنقتبس منه بعض المواد لكي يتضح الأمر ويعلم المسلمون هل الديمقراطية من دين الله أم لا.
فقد ورد في [المادة: 2] : أن (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) .
ويجب هنا التنبيه على عدة أمور:
الأول:
أن هذه المادة نصت على أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع وليست المصدر الوحيد، وهذا يعني أنه لا مانع من وجود مصادر أخرى للتشريع، وهذا كفر بالله تعالى لأن الله تعالى يقول: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، فمجرد أن يُجعل مع الله تعالى شريك في الحكم فهذا كفر، قال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} ، وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} ، وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} [سورة الشورى: 10] .
قال الحافظ ابن كثير: (أي مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام في جميع الأشياء {فحكمه إلى الله} أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله جل وعلا؛ {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، {ذلكم الله ربي} ، أي الحاكم في كل شيء، {عليه توكلت وإليه أنيب} أي أرجع في جميع الأمور) [181] .
ومن أعجب ما سمعناه في هذا الصدد؛ قول التلمساني - المرشد الثالث للإخوان - عندما سألته مجلة المصور: (هل تخاصم الدولة الإسلامية كل قانون وضعي؟ وما العلاقة بين الشريعة والقانون الوضعي؟) .
قال التلمساني: (أبدا الدستور، كان كيسا حينما نادى بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولم يقل المصدر الوحيد) !
فهل دعاة الإخوان يشجعون الحكومة على أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض؟
الأمر الثاني:
أن هذه المادة نصت على أن مبادئ الشريعة - وليست أحكام الشريعة - المصدر الرئيسي للتشريع، وهذا أيضا كفر بالله تعالى، ومبادئ الشريعة مثل؛ رفع الحرج، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لا ضرر ولا ضرار ... إلخ، وهذا يعني أن من حق هؤلاء أن يشرعوا من دون الله تعالى، فإذا عارضهم معارض، قالوا؛"نحن راعينا مبادئ الشريعة، والقانون لا يلزمنا بأحكام الشريعة، فأحكام الشريعة شيء ومبادئ الشريعة شيء آخر"!
ولذلك فقد جاء في"شرح قانون العقوبات"للدكتور محمود محمود مصطفى: (وقد اقتبس الشارع المصرى أحكام الزنا من القانون الفرنسي [المواد: 337، 339] ، إلى أن قال:(تنص [المادة: 274 عقوبات] على ما يأتي: المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد علي سنتين، لكن لزوجها أن يقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت) [182] .
فقد تبين من ذلك أن أحكام الزنا مقتبسة من القانون الفرنسي وليست من الشريعة الإسلامية، لأن القانون ينص على أن عقوبة الزنا للمرأة المتزوجة هي الحبس، أما عقوبة الزنا في الشرع فهي الجلد للزاني البكر، كما قال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [سورة النور: 2] ، أما الزاني المحصن فعقوبته الرجم كما جاءت به السنة [183] .
وقد ألغى القانون المصري عقوبتي الجلد والرجم التي وردت في الشرع، واستبدل بها الحبس الذي جاء في القانون الفرنسي، فقدم القانون الفرنسي على الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [سورة الحجرات: 1] ، وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى: 21] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتفاق الفقهاء) [184] .
وقال الحافظ ابن كثير: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى"الياسا"وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) [185] .
فإذا كان من تحاكم إلى الشرائع المنسوخة كفر - وهي شرائع منزلة من عند الله تعالى - فكيف بمن تحاكم إلى شرائع البشر مختارا - كشريعة الديمقراطية التي يقول أربابها عنها؛ أنها حكم الشعب للشعب -؟ فلا شك أنه أشد كفرا وضلالا.
والذي يبين مدى كذبهم وخداعهم في أن"المادة الثانية"ما وضعت إلا للكذب والتضليل؛ أن هناك مواد كثيرة مخالفة للشرع، وقد شهد شاهد من أهلها على أن الشارع المصري اقتبس أحكام الزنا من القانون الفرنسي كما سبق بيانه، وقد ورد في"المادة الثالثة"من الدستور أن: (السيادة للشعب وحده) ، وهذا يؤكد أن"المادة الثانية"ما هي إلا مكر وخداع، قال تعالى: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [سورة إبراهيم: 46] .
الثالث:
أن أحكام"المادة الثانية"ليس لها أي أثر رجعي، بمعنى أن كل أحكام الدستور المصري التي صدرت قبل تعديل"المادة الثانية"لا يخضع لهذه المادة.
وهذا ما قررته المحكمة الدستورية في حكمها الثالث في القضية [رقم: 2 لسنة 1941 قضائية دستورية، الصادر في 3 إبريل 1993] : (كل مصدر ترد إليه النصوص التشريعية أو تكون نابعة منه يتعين بالضرورة أن يكون سابقا في وجوده على هذه النصوص ذاتها) [186] .
وهذا يعني أن تعديل"المادة الثانية"الذي صدر سنة 1980 يسري مفعوله بعد هذا التاريخ.
أما دستور 1971 الذي احتوى على كثير من المواد الكفرية، فليس للمادة الثانية سلطان عليه، وكيف يكون لمبادئ الشريعة فضلا عن أحكام الشريعة سلطان على دستور سنة 1971 وقد وصفته اللجنة التي قامت بإعداد مشروعه بأنه"الدستور الدائم"؟! [187] ، فلا القرآن ولا السنة يستطيعا نسخ أحكام الدستور الدائم لسنة 1971، فهل هناك كفر أعظم من هذا؟
الرابع:
أن هذا التعديل لم يصدر لأنه حكم الله تعالى الذي لا يرد، ولأن الحاكمية لله وحده؛ {إن الحكم إلا لله} ، ولكنه صدر لأن أكثر من ثلث أعضاء"مجلس الشعب"تقدموا بطلب لتعديل بعض أحكام الدستور في 16 يوليو 1979، فأقر"مجلس الشعب"في جلسته المنعقدة في 30 إبريل عام 1980 التعديل المقترح ووافق عليه، ثم عرض هذا التعديل حسبما تقضي به [المادة: 189] من الدستور على الشعب في استفتاء شعبي أجري في يوم 22 مايو 1980، فوافق عليه الشعب، وأصبح هذا التعديل نافذا من يوم إعلان نتيجة الاستفتاء [188] .
وهذا يبين لك أن سلطة"مجلس الشعب"فوق حكم الشرع، وسلطة الشعب فوق حكم الشرع أيضا.
وكما وافق الشعب على"المادة الثانية"، فمن حقه أن يلغيها في أي وقت، فالسيادة"للشعب وحده"، لا معقب لحكمه - ولو كان القرآن الكريم! -
الخامس:
أن هذه"المادة الثانية"تخاطب المشرع ولا تخاطب القاضي الذي يجب عليه أن يلتزم [بالمادة: 165] من الدستور، التي تنص على أن: (السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون) ، لذلك عندما أصدر المستشار محمود غراب حكما بالجلد على رجل شرب الخمر لم ينفذ ذلك الحكم لأنه لا يوجد في قانون العقوبات شيئا اسمه الجلد.
وفي آخر كلامنا على هذه النقطة نذكر كلاما لسيد قطب رحمه الله حيث قال:(يجب ألا ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية ... بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعا ... وإنما هو الإسلام فقط، الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل، وأوضاعه المستقلة، الإسلام الذي يحقق للبشرية خيرا مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع، الإسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير.
وحتى ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام في ثقة وقوة وفي عطف كذلك ورحمة ... ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل، وعطف الذي يرى شقوة البشر، وهو يعرف كيف يسعدهم، ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى.
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسسا، ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة، سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة، هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم، هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث والله يريد أن يطيبكم، هذه الحياة التي تحيونها دون والله يريد أن يرفعكم، هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم، والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعا، وإذا كنتم أنتم لشقوتكم لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية، لأن أعداءكم أعداء هذا الدين يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة، ودون تجسد هذه الصورة، فنحن قد رأيناها والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا شك في مجيئه.
هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام، لأن هذه هي الحقيقة، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة، سواء في الجزيرة العربية أم فارس أم في الروم، أم في أي مكان خاطب الناس فيه.
نظر إليهم من عل، لأن هذه هي الحقيقة، وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته، وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته، ولم يقل لهم أبدا: إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة، أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها ... كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام ... مرة تحت عنوان: ديمقراطية الإسلام ومرة تحت عنوان اشتراكية الإسلام ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات!) [189] .
[181] تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير ج4/ 108، ط: دار المعرفة.
[182] شرح قانون العقوبات ـ القسم الخاص، ص337، ط: جامعة القاهرة، الطبعة العاشرة1983م.
[183] انظر صحيح البخاري أحاديث رقم: 6812، 6813، 6815.
[184] مجموع الفتاوى ج3/ 267.
[185] البداية والنهاية ج13/ 119.
[186] انظر الدستور المصري (دستور 1971) لإبراهيم شيحا، ص10، ودستور جمهورية مصر العربية، ص: ي، طبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية.
[187] التقرير الاستراتيجي العربي لسنة 1993، ص322.
[188] الدستور المصري (دستور 1971) لإبراهيم شيحا، ص21،22.
[189] معالم في الطريق.