ثم إذا بالصينيين يبثون مقال الأسير الأمريكي مع اسمه على الراديو الموجه للقوات الأمريكية المقاتلة وكذلك في كل معسكرات الاعتقال، بحيث يسمعه الأسير نفسه. وفجأة يجد الأسير الأمريكي نفسه قد قام بتصريحات تخدم العدو، أي أنه أصبح بطريقة أو بأخرى"متعاونًا مع العدو".
والمهم جدًّا في الأمر أن الأسير يدرك في قرارة نفسه أنه قام بما قام به وكتب مقاله واتخذ مواقفه طواعية بدون تهديدات شديدة أو إكراه. فلو تم الأمر بالإكراه لوجد الأسير لنفسه عذرًا لمواقفه هذه وكذلك الناس حوله، بل سيؤدي الإكراه إلى نفوره من المواقف التي اتخذها ورفضها وتبرؤه الداخلي منها. لكنه في الواقع فعل ما فعل دون إكراه.
فينتهي الأمر بالأسير إلى تغيير نظرته إلى نفسه حتى يصبح متوافقًا ومنسجمًا (consistent) مع الفعل الذي قام به ومع التعريف الجديد لنفسه كـ (متعاون مع العدو) . بدأ الأمر بتصريحات تبدو تافهة وعديمة القيمة، لكن الأسير التزم بهذه التصريحات ثم استُدرج لخطوات أخرى غيّرت من نفسيته، وهذا التغيير بدوره سمح له بتقديم تنازلات أكبر، وهكذا دواليك على مبدأ الحلقة الخبيثة (vicious cycle) إلى أن يكتب مقالًا موسعًا ينتقد فيه نظام الدولة التي كان يحارب من أجلها بل ويتعاون مع عدوها. هذه هي خلاصة أسلوب الالتزام والتوافق.
وقد لاحظ الفريق النفسي أربعة عوامل مهمة للغاية لضمان فعالية هذا الأسلوب في تغيير موقف الأسير وقناعته:
العامل الأول: ضرورة أن يوثق الأسير الأمريكي موقفه أو تصريحه، حيث أن هذا التوثيق أقوى في تغيير انطباعه عن نفسه وانطباع زملائه عنه. فالشخص يستحضر لا شعوريًا مواقفه السابقة، وخاصة الموثقة منها، وكأنها المصدر الرئيسي لمعلوماته عن نفسه وتحديد شخصيته. وعليه فقد كان الصينيون حريصين على انتزاع موقف موثق منسجم مع رغباتهم، إلى درجة أن الأسير إذا رفض أن يكتب العبارات المذكورة مثل:"أمريكا ليست كاملة"أو:"لا بطالة في الشيوعية"فإنه كان يُطلب منه نسخ سؤال وجواب مكتوبين له مسبقًا فيهما هذه المعاني. فهذه الكتابة بخط يده -كدليل ملموس- تستدرج الأسير إلى التغيير النفسي ولو بدأ قليلًا، كما أن الصينيين كانوا يطلعون الأسرى الآخرين عليها لتتغير نظرتهم إلى زميلهم.