وفي كل محطة من هذه المحطات تُثوَّر فزاعة العلمانيين والفلول، ويُصلت سيف المحكمة الدستورية لتقطيع الحبال وإلجاء الناس إلى حبل"نجاة"جديد موهوم. كل هذا حتى تعطي الحركات الـ"إسلامية"قيمة كبيرة للإنجازات الهزيلة التي وصلتها بشق الأنفس.
فمنصب الرئاسة منزوع الصلاحيات ليس الرئيس فيه سوى خادم للنظام الوضعي المصادم للشريعة وملبس لهذا النظام لحيةً تضفي"الشرعية"عليه ثم تحمل إرث فساده الثقيل!
والدستور الجديد ما هو إلا اجترار للدستور السابق مع إضافات هزلية هزيلة لم تغير من حقيقته الشركية شيئًا. ومع هذا كله اعتبرت الأحزاب"الإسلامية"هذه الإنجازات: إنجازات كبيرة يجب الدفاع عنها والاستماتة في سبيلها، وقدمت التنازلات الفاحشة من أجلها لأنها وصلتها بعد بذل جهود كبيرة رفعت من قيمتها في نفوسها! مع أن هذه"الإنجازات"بحد ذاتها انقلبت هزائم وعبئًا ثقيلًا ذا تبعات مدمرة للدعوة.
وحتى لا تصحو الأحزاب من ثمالة التنازلات ولا تقرع باب الفرج الحقيقي، كان لا بد من تلهيتها كل فترة بـ"إنجازات"تعثر عليها في ثنايا دهاليز الفشل. فمرة يُسمح لها بتغيير قيادات الجيش، ومرة تُوهم بلعب دور تاريخي في حرب غزة. ثم تضخم هذه الإنجازات من الطرفين:
فالإعلام العميل ودوائر السياسة الصهيوصليبية تتظاهر بالارتجاف والهلع من هذه"الإنجازات"! تظاهر الأب بالخوف من السيف البلاستيكي الذي أشهره طفله في وجهه مع أن الأب هو من جاء له بهذه اللعبة! ولو كانت دوائر السياسة خائفة من النتائج بالفعل لحركت الجيوش دون روية كما فعلت في مالي.
ومن ناحية الحركات الإسلامية والإعلام الخاص المتعاطف معها فإنها تضخم هذه الـ"إنجازات"وتبحث عنها بالمجهر في زوايا الدهليز لأنها لا تريد أن تصحو على حقيقة الفشل المرة، ولا أن تقتنع بخطأ مسلكها وضرورة الاستدراك، وقرع باب الفرج الحقيقي الذي لا تريد هذه الأحزاب تحمل تبعاته.
بعد هذا نقول إخواني: ما سبق كله إنما هو مصداق قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ،