الصفحة 16 من 18

-فحتى لو قبلت الحركات الإسلامية هذه الصفقة؛ فإنها لن تقبل المسؤولية الداخلية عنها، ولن ترى التنازلات التي قدمتها جزءًا من كيانها، ولن توافق نفسياتها لتتناسب مع هذه التنازلات. إذ أنها سترى هذه التنازلات حينئذ شيئًا منفصلًا عن سلوكها ومنظومتها النفسية قامت به كحالة استثنائية من أجل تحصيل هدف عظيم، ثم سترفضه وتتبرأ منه بمجرد تحصيل هذا الهدف.

-وليس هذا هو الذي يريد الأعداء تحقيقه. بل هم يريدون لمنتسب الحركات الإسلامية ألا يحس بالاستدراج، بحيث إذا نظر إلى نفسه في المرآة مساءً لا يحس أنه يرى صورة رجل غير مبادئه. فإذا قالت له نفسه: (أجبت أعداءك إلى ما طلبوه منك؟!) ردَّ عليها: (بل أنا صاحب القرار وأنا اخترت أن أفعل ما فعلت، بقناعة منبثقة من نفسي وذاتي) . وإن قالت له نفسه: (إنك تتنازل) ردَّ عليها: (أتنازل من أجل ماذا؟ الذي يتنازل يُغرى عادة بشيء يحرص عليه. إنما أنا أتلمس فلتات العدو وسهواته ونقاطَ الضعف في نظامه وقانونه لأحقق منفعة لديني. والتصريح الذي صرحته والموقف الذي اتخذته لا يشكل خرقًا كبيرًا لمبادئي وعقيدتي) .

إذًا فهو يوهم نفسه بأنه يغافل العدو وينسل من خلال ثغرات نظامه، لا أنه يُساوَم على مبادئه.

كان هذا فيما يتعلق بعامل الاختيار الذاتي، وهو -كما في كتاب التأثير وسيكولوجيا الإقناع- أهم عامل لإنجاح أسلوب الالتزام والتوافق.

العامل الرابع والأخير هو بذل الجهد الإضافي. رأينا في الحلقة الأولى إخواني من سيكولوجيا الانحراف أن الشخص الذي يخوض ألمًا وعناءً شديدين في سبيل الحصول على شيء ما فإنه يعطي هذا الشيء أهمية أكبر بكثير ممن حصل عليه بجهد قليل.

في حالة الحركات"الإسلامية"فقد كان واضحًا تمامًا أنه يُراد لها بذل جهد كبير في الانتخابات البرلمانية وصرف الأوقات والأموال والجهود في حشد الأصوات وتنظيم الحملات، ثم بذل الجهد الكبير لتحصيل منصب الرئاسة. إذ جاء بعد استثناء بعض المرشحين ثم الزج بمرشحين جدد ظاهري الفساد. ولم يكن تحصيل المنصب من الجولة الأولى، ثم لم يكن بفارق كبير. وكذلك الأمر بالنسبة للدستور وفرض العسكر لشخصيات في تأسيسيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت