يحاربوا المسلمين ولو من غير عهد، ومن لهم عهود أقل من أربعة، وبعد انقضاء الأجل لمن لهم عهود موفونة ولم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا. ولئن كانوا يستسيغون نبذ عهود الناكثين والذين تخاف منهم الخيانة، كما سبق في الحكم المرحلي الذي تضمنته سورة الأنفال (وإما نخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين"تفسير المنار ج 10 ص 149: ص. 10,"
فإن إنهاء عهود غيرهم بعد أربعة أشهر أو بعد الأجل المقدر ربما بدا لهم مخالفا تا عهدوه وألفوه من معاهدة المعاهدين وموادعة المواد عين وترك المهادتين، ولكن الله سبحانه وتعالى كان بريد أمرا أكبر من المألوف وخطوة وراء ما انتهت إليه الأمورة
وكان في المجتمع المسلم كذلك، ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم كذلك، من يرى أنه لم تعد هناك ضرورة لقتال المشركين عامة ومتابعتهم حتى بضيئوا إلى الإسلام، بعدما ظهر الإسلام في الجزيرة وغلب، ولم تبق إلا جيوب متناثرة هنا وهناك لاخوف منها على الإسلام اليوم، ومن المتوقع أن تفي، رويدا رويدا. في ظل السلم. إلى الإسلام.
ولا بخلو هذا الفريق من التحرج من قنال الأقرباء والأصدقاء ومن تربطهم بهم علاقات اجتماعية واقتصادية متنوعة، متى كان هناك أمل في دخولهم في الإسلام، بغير هذا الإجراء العنيف ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم أصرة التجمع على العقيدة وحدها وأن تخلص الجزيرة للإسلام وأن تصبح كلها قاعدة أمينة له، وهو يعلم أن الروم يبيتون للإسلام على مشارف الشام كما سيجيء
وكان في المجتمع المسلم. ولعل بعض هؤلاء كان من كرام المسلمين وخيارهم أيضا: من بخشي الكساد الذي يتوقعه من تعطيل الصلات التجارية والاقتصادية في أنحاء الجزيرة بسبب إعلان القتال العام على المشركين كافة فيها، وتأثير ذلك في موسم الحج، وبخاصة بعد إعلان (الا بحج بعد العام مشرك، وألا بعمر المشركون مساجد الله) وبخاصة حين يضاف إلى هذا الاعتبار عدم ضرورة هذه الخطوة وإمكان الوصول إليها بالطرق السلمية البطيئة، ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم أسرة التجمع على العقيدة وحدها. كما تقدم. وأن تكون العقيدة أرجع في ميزان القلوب المؤمنة من كل ما عداها، سواء من القرابات والصداقات أم من المنافع والمصالح كما أنه سبحانه كان يريد أن يعلمهم أنه هو الرزاق وحده، وأن هذه الأسباب الظاهرة للرزق ليست هي الأسباب الوحيدة التي يملك أن يسخرها لهم بقدرته
وكان في المجتمع المسلم من ضعاف القلوب والمترددين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين و غيرهم كذلك ممن دخلوا في دين الله أفواجا ولم ينطبعوا بعد بالطابع الإسلامي من يفرق من فتال المشتركين كافة ومن الكساد الذي ينشأ من تعطيل المواسم وقلة الأمن في التجارة والتنقل وانقطاع الأواصر والصلات، وتكاليف الجهاد العام في النفوس والأموال ولا يجد في نفسه دافعا لاحتمال هذا كله وهو إنما دخل في الإسلام الغالب الظاهر المستقر فهى صفقة رابحة بلا عناء كبير .. أما هذا الذي يرادون عليه فما لهم وما له وهم حديثو عهد بالإسلام وتكاليفه