وأصحاب المصالح تتكتل ضدها، فتخمدها .. ففي (جرسو) مثلا. إحدى المديريات الهررية التسع، شار الشيخ عبد القادرآدم ضد الضرائب الفادحة التي فرضت على هذه المديرية وضد الأوامر التي كانت تقضي بأن يخبز نساء المركز المسلمات جواليق من الدقيق كل أسبوع للمعسكر ويحملنه إليه، وبعد أن دخل رجال الثورة الغابات المقاومة جمعت الحكومة الشيوخ والأطفال والنساء في أكواخ، كل عشرين أو ثلاثين منهم في كوخ. وهو مبني عادة من الحشيش أو القصسب وسكبت عليها صفائح البنزين، فاحرقنها جميعا بمن فيها .. والذي أمر بهذه الجريمة المروعة لا يزال موجودة، وهو وزير الحربية الراس (أبيا أراغي) .. أما المواشي فقد أبيدت بالسم والرصاص، وكان هذا العمل انتقاما من الرجال الذين لجئوا إلى القابات
ومن جهة أخرى لبث الرعب في القرى المجاورة، وكانت هذه الأعمال تسير جنبا إلى جنبه مع جميع أساليب الاضطهاد الوحشية سواء في المحاكم، أو في السجون، أو في المصالح الحكومية، أو في المستشفيات أو المراكز التبشيرية
وللمبشر الأرذوكسي، وهو الدين الرسمي للحكومة. حق مطالبة إعدام أي مسلم دون ابداء الأسباب أحيانا، واتهامه بإنتقاص الدين الرسمى أحيانا أخرى، وهذه الأشياء لا تظهر في المدن بالطبع، بل تتركز في القرى النائية البعيدة عن العمران، ولهم في تكتم الأخبار ألف. وسيلة ووسيلة
وما أن أهل عام 1948 وقد بلغ حدا بعيدا، حتى هبت هرر تطالب بحقوقها العادلة ومساواة أهلها بالمسيحيين، مما اعتبرته الحكومة وقاحة وخيانة فجردت له ثلاثة ألوية من الجيش اقتحمت المدينة، وأعملت فيها السلب، والنهب والتعذيب، واشترك معهم رجال الشرطة والمدنيون، وقد رخص لهم باقتناء السلاح في هذه الحملة الإرهابية، فصودرت، المتاجر والمدارس والمزارع، وأقيمت محاكم للتطهير، واعتقل الآلاف ووضعوا في معسكرات التعذيب، وأخذت أوقاف المساجد وضمت إلى الكنائس، وأرسل الزعماء إلى مناطق نائية، وكان التعذيب وحشيا لم يقتصر على أطفاء السجائر في الأجساد أو تعريض الناس للشمس اللافحة في حالة جوع وظمأ شديدين، وقد وضعت على مقربة منهم براميل الماء والطعام، أو هتلك الأعراض على مرأى من الأزواج والأولاد، أو العبث في ظهورهم بالسياط، بل تعداه إلى دق (خصيات الرجال بأعشاب البنادق، وإلى قذفهم بين أسلاك شائكة تمزق أجسادهم والجنود يتلذذون بذلك المنظر الوحشي، واستخدمت كل وسائل العنف، والتعذيب في الاستجواب، واستمرت هذه الأعمال الفظيعة سبعة أشهر كاملة، قتل فيها من، قتل وهلك من هلك بسبب الجوع، والبرد.
وفي تلك الأيام قدم وفد من مسلمي هرر إلى القاهرة ليعرضوا شكواهم على العالم الإسلامي، فلم يجدوا سندا، ولا نصيراء والظروف لم تكن في صالحهم، وانعالم الإسلامي لم يقدم لهم شينا بالرغم من أن الوفد عرض أمره على حكومة الحجاز، واليمن، وقدم مذكرات إلى كثير من سفارات الدول الإسلامية وغير الإسلامية ومن يومها اعتبرت (هرر) منطقة مفتوحة لكل أنواع التبشير. ما عدا الإسلام منها أن كان هناك تبشير إسلامي. للتسجيل