فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 778

أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلعت أموالهم وعادت بغداد بعدما ما كانت أنس المدن كلها كانها خراب، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل ثمان مئة ألف، وفيل ألف ألف وثمان مئة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، ومازال السيف بقتل أهلها أربعين يوما، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفره وعفي قبره، وكان عمره يومئذ ستة وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم.، وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبو الفرج الجوزي، وكان عدو الوزير وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدا بعد واحد، ضم الدويدار الصغير مجاهد الدين أبيك وشهاب الدين سليمان شاه وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد .. وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاه ويؤسر من يختارون من بنائه، وجواريه، وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي بن النهار، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن وتعطلت المساجد والجماعات والمجمعات مدة شهور بغداد.

ولما انقضى الأمر المقدر، وانفضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشان من الناس والقتلى في الطرقات كانها القلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وانتفت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حني تصدي وسري في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الربع فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضافلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا نحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله إلا هوله الأسماء الحسنى، وكان رحيل السلطان السلط هولاکوخان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مفر ملكه، وفرض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادرة فوض إليه السمكية بها وإلى الوزير ابن العلقمي فلم يمهله الله ولا أهله بل أخذه أخذ عزيز مقتدر.

وذكر أبو شامة .. انه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباء شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو، فسل من كثرة القتلى بلاد العراق وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فالله أعلم. (1)

ثم تتوالى أحداث التاريخ حتى تأتي إلى العصر الحديث فتجد ما هو أفظع وأشنع مما صنعه المغول ببغداد ولنأخذ لذلك مثلين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت