إلها عهد الفطرة، عهد الخلق والتكوين، وما نصب الله للإنسان في الأنفس والأفاق من أدلة التوحيد، ولا ريب أن هذا الوضع الذي خلق الله الإنسان عليه ومكنه به من النظر من أقوى العهود والمواثيق التي تنطق بها فطرته، ومع هذا فقد أشرك والسلع من هذا العهد الفطري الذي بحسه بوجدانه، واتخذ الصنم إلها بعبده من دون الله، متعللا من طبيعة خلفه وتكوينه .. (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما اشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)
وإذا كان الشرك نقضا لهذا العهد القطري، ويعمل التعلل من مقتضيات الإيمان الحق والخلق الفاضل، فمن طبيعته ألا يحترم عيدا، ولا بخاف صاحبه عاقبة، وإنما عهده الشهوة والهوى، وكما خان المشركون عهد خالقهم بعبادة الهوى فإنهم ينقضون عهد من به اهدون بالغدر والخيانة، ولا ريب أن مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بحرمات، ولا يذعنون لمثل عليا لا يمكن في نظر العقل الصحيح أن يكون لهم عهد محترم يحافظ عليه، وجدير أن يكون التفكير في التعاهد معهم أو المحافظة على عهودهم محل إنكار شديد، ومدعاة للتعجب .. وهذه المعاني هي التي تنبعث من وصف المشركين) وهي التي يشير إليها الإنكار المذكور في قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله).
والمعني: بأية صفة وبابية كيفية، وباي حال وعلى أي وضع يكون للمشركين عهد؟ ليس له حال يوجد علبه وإذا لم يكن له حال يوجد عليه فإنه لا سبيل إلى وجوده، فالاستفهام إنكاري للأحوال التي يكونون عليها، ومني انتفعت الأحوال التي يكون عليها الشى، ولا يوجد إلا بها انتفى وجود ذلك الشيء، فالآية تقرر وجود العهد على الطريق البرهاني، كما يقولون. وهر أبلغ أنواع الإنكاره
إن الإسلام هنا يقرر مبدا ويضع قاعدة .. فهو يستنكر ما يخالفها وينفى مبررانه .. إن المشركين لا بدينون إله العبودية الخاصة، وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله، فكيف بجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند الله وعند رسوله؟ انهم لا يواجهون بالانكار والجحود عبدا مثلهم ولا منهجا من مناهج العبيد من أمثالهم إنما يواجهون بالجعود خالقهم ورازقهم، وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود ابتداء، فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعنده رسوله.
هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الأستکاري، وهي فضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته لا على حالة معينة من حالاته
أن الشأن في تقرير نبذ عهودهم لم يكن قاصرا على النظر إلى عقيدتهم الشركية وعدم إيمانهم بتشريع إلهي أو خلق فاضل يحتم عليهم الوفاء بالعهد، وإنما ترتبط أيضا بما عرف عنهم وصار سجية لهم وشانا من شئونهم، وهو أنهم عند قوتهم وغلبة سلطانهم لا يرعون شيئا من حقوق الإنسائية الخاصة أو العامة، كالقرابة والعهد، وان في مواقفهم منكم حينما كانوا يشعرون بالقوة اكبر شاهد على أن قلوبهم لا تحمل أي قيمة لقرابتكم بهم أو لعهدكم معهم، وأن ما يسمع منهم من عبارات المسلم والقرابة وعبارات العهد والولاء لا يخرج عن أنه نوع من