الصفحة 23 من 26

هذا مع أن تنازل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح لم يكن خسارة بل كان بابا لفتح عظيم كما قال ابن القيم رحمة الله عليه:

(ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح فإن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط المسلمون بالكفار وبادءوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين وظهر من كان مختفيا بالإسلام ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل ولهذا سماه الله فتحا مبينا. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاء عظيما وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية. وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلق والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت وكان في الصورة الظاهرة ضيما وهضما للمسلمين وفي الباطن عزا وفتحا ونصرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق وكان يعطي المشركين كل( ... ) صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} [البقرة 216] .

وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب

فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده وأن العاقبة له وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون فذلوا من حيث طلبوا العز وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه فدار الدور وانعكس الأمر وانقلب العز بالباطل ذلا بحق وانقلبت الكسرة لله عزا بالله وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.) زاد المعاد - (3/ 275) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت