ما أُثْبِتَ سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع، وما كان شرطًا فهو شرطٌ أبدًا، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدُّل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك).
ومما يورده المؤلف من أقوال الشاطبيّ أيضًا: (لأن الشرع موضوع على أنه أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف كذلك لم يَحتَجْ في الشرع إلى مزيد) .
وفي الكتاب بحث تحت عنوان:"لا يجوز مخالفة الأحكام بحجة المقاصد"، وهو شرط عند الشاطبيّ لأجل اعتبار المقاصد ولصحة تطبيق المنهج، بل إن المقصدَ لا يُعدُّ مقصدًا شرعيًا إذا كان مخالفًا للأحكام، وهو ما يشير إليه الشاطبيّ كثيرًا في كتابه"الموافقات"، وهو بعض ما يقصده الشاطبيّ بقوله بوجوب إعمال الكليات والجزئيات معًا، وهي من الأصول عند الشاطبيّ التي شرحها لنا المؤلف بوضوح، وبيَّن أنها شرط لمنهج الشاطبيّ في أصول الفقه.
ويتعقَّبُ المؤلف في كتابه كثيرًا من الآراء، أو الأفهام والمعاني، التي يقول بها كثير من الباحثين والكاتبين في الأصول في عصرنا، ومن محققي كتاب الموافقات وينسبونها إلى الشاطبيّ خطأً، فيبيّن موضع خطئهم، وأحيانًا مناقضتهم للشاطبي، ويعتمد في ذلك التحليل والربط والاستدلال بنصوص الشاطبيّ وتطبيقاتها، بأسلوبٍ فكري وموضوعي.
ويرفض كذلك ما زعمه بعضهم من تناقضات عند الشاطبيّ بين بعض مسائله، ويبيّن أن ذلك وهم منهم يرجع إلى عدم فهمهم لبعض تلك المسائل، وكذلك لمراد الشاطبيّ ببعض الألفاظ المهمة في منهجه مثل المصلحة، والمفسدة، ومثل المصلحة المفهومة عرفًا وغير ذلك.
وقد أنهى المؤلف كتابه بالفصل العاشر، حيث جعله في ثلاثة مباحث، لخَّص في الأول منها فكرة المقاصد عند الشاطبيّ وعرض فيه أركانها، ومعناها، ومنهج الشاطبيّ في فهم الشريعة بحسبها.
وفي المبحثين الثاني والثالث ناقشها نقاشًا أصوليًا، فناقش مسألة الاستقراء كمنهجٍ في مقابل الاستنباط، وناقش مقصود الشاطبيّ بالتواتر المعنوي في منهجه مقابل التواتر المعنوي في مصطلح علم الحديث، كما ناقش موقف الشاطبيّ من الأصول، وضرورة أن تكون قطعية، وكذلك موقفه من أخبار الآحاد والدلالات الظنية، كما ناقش أصل التعليل، وهو تعليل أفعال الله وأحكامه، عند الشاطبيّ، وعند بعض من سبقه ممن قالوا به.
كما ناقش بأسلوب فكري، عميق ودقيق، مسألة"المقاصد والعلل"، والفرق بين المقصد والعلة، وأزال الارتباك والتشويش الحاصل في الخلط بينهما.
وفي خاتمة الكتاب أشاد المؤلف بالشاطبيّ كعالم، ومجتهد مستنير، رغم مخالفته له في بعض جديده الذي قدمه كنهج جديد في أصول الفقه، وقد كان ذلك في بعض أركان منهجه.