الصفحة 4 من 6

ومن أهم ما ينبغي الإشارةُ إليه في تعريفنا بهذا الكتاب، هو ما قام به المؤلف من تعريف وشرح لمقصود الشاطبيّ بلفظ المصلحة ولفظ المفسدة، وكيف تعد المصلحة مقصدًا شرعيًا يصحُّ للمكلَّف اعتباره في التشريع، وكيف تكون مجرد مقصد للمكلف راجعٍ إلى حظوظه أو ميوله وأهوائه.

وفي الكتاب تتبعٌ واستقصاءٌ وإثباتٌ بشكل حاسمٍ أن المصلحة - بحسب الشاطبيّ - هي ما ثبت عن طريق الشرع أنه مقصود للشارع، بغض النظر عن موافقته لمقاصد الخلق أو عدم موافقته، وبذلك فإنه لا لبس في منهج الشاطبيّ أن الصواب هو قول:"الشرع مصلحة"، وليس:"المصلحة شرع"، كما يتوهَّم كثيرون أنه المعنى الذي يقصده الشاطبيّ.

وكذلك شرحَ لنا المؤلف المعنى المراد بمصطلحات مثل المعتبر، والمرسل، والملغى، وأنواع الاعتبار في قول؛ مصلحة معتبرة أو مرسلة.

ويوضح لنا المؤلف معنى الوسط والوسطية عند الشاطبيّ بنصوص قاطعة من"الموافقات"، ويفصِّل في كيفية تعيين الوسط في أي مسألة، وبأنه ليس ما وقع بين طرفي الإفراط والتفريط، أو ما شاكل ذلك، وإنما الإفراط والتفريط يُعْرفان بعد معرفة الوسط.

أما كيف يعرف الوسط، فيذكر لنا المؤلف قول الشاطبيّ: (والتوسط يُعرفُ بالشرع) .

وكذلك يُبرز الكتابُ موقفَ الشاطبيّ من بعض الفتاوى أو القواعد المعتمدة فيها عند بعض المفتين؛ مثل التيسير بسبب المشقة، ومثل الضرورات المزعومة أو الحاجات ومثل جواز التخيُّر بين المذاهب أو الفتاوى، ويردُّها كلها، بل إن الشاطبيّ يحمل عليها بشدة.

وكذلك مما يبرزه الكتاب موقف الشاطبيّ من العرف أو العوائد كما يسميها هو، ومدى اعتبارها في الشرع، والقول بتغيُّر الأحكام بتغيُّرالأعراف، أو المصالح، أو الزمان، أو المكان، ومسألة خلو الشريعة من بعض الأحكام، أو ما يزعمه البعض من وجود منطقة فراغٍ في الشريعة.

فيبيّن المؤلف موقف الشاطبيّ من ذلك كله وغيره، في أبحاث شيقةٍ ومفيدة، ويوثِّق ذلك بنصوص للشاطبي، منها قوله؛ إن من خواصِّ الشريعة: (العموم والاطِّراد؛ فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق وإن كانت آحادُها الخاصة لا تتناهى، فلا عمل يفرض ولا حركة، ولا سكون يُدَّعى إلا والشريعة عليه حاكمةٌ إفرادًا وتركيبًا وهو معنى كونها عامة) .

ومن خواصِّها أيضًا كما يقول الشاطبيّ: (الثبوت من غير زوال؛ فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقييدًا لإطلاقها، ولا رفعًا لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب حالٍ من الأحوال، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت