الصفحة 3 من 6

ومباحث الأصوليين - قبل الشاطبيّ - ومجادلاتهم فيها، فإنه بعد ذلك سهَّلها، وعرضها عرضًا موثقًا وميسرًا لكل مهتم وقاصدًا لفهم المقاصد.

إن الأمور التي تلفت النظر في الكتاب كثيرة، منها على سبيل المثال إبراز المؤلف لمراد الشاطبيّ بالمقاصد بما يؤكد أن مباحث المعاصرين في هذا الأمر وتنبيهاتهم إلى الشاطبيّ ومنهجه وجديده، بعيدة كل البعد عن الشاطبيّ ومنهجه.

فالشاطبيّ جعل المقاصد قسمين؛ مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف.

وجعل مقاصد المكلف أربعة أنواع؛ تُعَدُّ مقاصد الشريعة واحدًا منها، بينما لا يتعرض المعاصرون ولا يبحثون إلا في مقاصد الشريعة، وفوق ذلك فإن مضمون أبحاثهم حين يبحثونها، هو في غالبه مقاصد المكلف وليس مقاصد الشريعة.

وكذلك فإن جلّ المباحث المعاصرة تُغْفِلُ ما جَعَلَه الشاطبيّ النوع الرابع من المقاصد، وهو مقصد الشارع لعبودية العباد وامتثالهم، بل إن المقاصد الثلاثة الأخرى إنما كان بحثها لأجل تحقيق هذا المقصد، وهو تعبيد الناس لخالقهم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات 56] ، وكذلك فإن من دقيق ما قام به المؤلف هو تحقيقه لمعنى كل لفظة أو مفردة استعملها الشاطبيّ مما له أهمية أو تأثير في فهم منهجه أو جديده. فقد بيَّن ووثَّق مرادَ الشاطبيّ بمفرداتٍ مثل؛ السبب، والمسبِّب، والحكمة، والعلة، والأصل، والجزئي، والفرع، ومعاني الأحكام، والمقاصد الأصلية، والمقاصد التابعة، وغيرها.

كذلك أبرز المؤلف المعنى الذي أراده الشاطبيّ بالاستقراء، وكيفية تطبيقه، واشتراطه القطع في الأصول، وكيفية استفادة ذلك من الاستقراء، وكيف أن منهج الاستقراء هو من أهم أركان فكرة الشاطبيّ، وهو ما يتجاهله ويغفله تمامًا دعاة التجديد المعاصرون.

وهكذا يسير المؤلف بقارئه خطوةً خطوة، ليصل به إلى فهم معنى المقاصد كما أراده الشاطبيّ، وليلمس بعد ذلك كيف يُعَدُّ المقصد مقصدًا شرعيًا، وكيف يُتَوَقَّفُ فيه أو يرد، وكذلك ليدرك كيف تتفاوت مراتبُ مقاصد الشريعة، فيُعَدَّ هذا من الضروريات، وهذا من الحاجيات، وهذا من التحسينات ...

وكذلك يبيّن لنا منهج الشاطبيّ في ترتيب المقاصد ضمن المرتبة الواحدة كترتيب حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

ويبيّن لنا المؤلف أن الإمامة العظمى مثلًا"الخلافة"هي من الضروريات في رتبة حفظ الدين، وكذلك الجهاد، وكذلك الصلاة وسائر الأركان. وهذا كلّه بحسب الشاطبيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت