الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى، وقال بكر وزياد جميعا عن جبير بن حية قال: فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان ابن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفا، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم، فقال النعمان: ربما أشهدك الله مثلها مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يندمك ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات) [1]
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال (اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) [2]
فهذه هي مقاصد الجهاد الرئيسة - والتي يدخل غيرها فيها عند التحقيق - وهي التي يجب على المسلمين أن يعملوا على تنفيذها ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، وأيما جماعة قامت على غير هذه المقاصد أو أهدرتها فليست لها شرعية ولا يجوز الانتماء لها ولا القتال في صفها أيا كان اسمها أو شعارها.
فكم من جماعات وطوائف بل ودول وأمم ترفع شعارات إسلامية تخدع بها الجهال والمغفلين وتستر بها مخططاتها وأهدافها الخبيثة في خدمة اليهود والنصارى وأعداء الإسلام، فهذه جماعات وأحزاب تعمل لتمكين حكومة ديمقراطية علمانية يختارها الشعب، وأخرى تجمع الشباب المخلصين البسطاء وتزج بهم في أتون الحروب لتحقق
(1) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي.
(2) رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة وابن أبي شيبة والدارمي.