الصفحة 84 من 87

هؤلاء تقتلون أنفسكم) إلى قوله تعالى (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ... ) الآية: قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود ترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء أساراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال (أفتؤمنون ببعض الكتاب) وهو التوراة (وتكفرون ببعض)

قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين بل بالكافرين، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد، قال ابن خويزمنداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الأثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع، ويجب فك الأسارى من بيت المال فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. اهـ [1]

المقصد العاشر: إرغام أهل الكتاب على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون إن لم يؤمنوا، قال تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [2]

وهذه الآية قد وردت في وجوب قتال أهل الكتاب الذين كفروا بالله تعالى بنسبة الولد أو الشريك إليه كما يفعل النصارى، أو سبه وتنقصه كما تفعل اليهود - تبارك وتنزه وتعالى وتقدس عما يقولون - وبيَّن الله تعالى فيها أن اليهود والنصارى قد كفروا به تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكتابه وباليوم الآخر، وأن أساس حياتهم إنما يقوم على اتباع أهوائهم فهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله لا اعتقادا ولا عملا، ولا يدينون بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله إلى الناس كافة والذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بصفته وصفة أمته، بل كفروا به حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه رسول الله حقا، وقد جعل الله تبارك وتعالى لهذا القتال حدا ينتهي إليه وذلك أنهم يخيرون بين الاستسلام لله تعالى والدخول في دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبين إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون فإن قبلوا هذا أو ذاك وإلا فالقتل جزاؤهم.

وعن جبير بن حية قال: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان فقال: إني مستشيرك في مغازي هذه، قال: نعم، مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر نهضت

(1) راجع تفسير القرطبي ج2/ 22.

(2) سورة التوبة، الآية: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت