المقصد التاسع: رفع الإكراه المادي والمعنوي والظلم عن المستضعفين، وهذا أيضا من المقاصد التي هدف إليها الشرع الكريم في تشريع أحكام الجهاد، فإن المسلمين أمة واحدة على من سواهم قال تعالى (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواجد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [1] ، وقد قال تعالى في بيان هذا المقصد (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) [2]
وفي هذه الآية يحض الله تبارك وتعالى عباده ويحثهم على القتال لاستنقاذ المستضعفين من المؤمنين والذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وهم ينتظرون ويدعون الله تعالى أن يخرجهم من حالة الذل والاستضعاف الذي هم فيها وأن يخرجهم من الأرض التي أحصروا فيها وأن ينقذهم من أيدي من يسومهم سوء العذاب من أهل الكفر والعناد، وأن من مقاصد الجهاد في سبيل الله استنقاذ المستضعفين وفك الأسارى المقهورين تحت أيدي أعداء الله تعالى حتى لا يفتنوا في دينهم ولا يرتدوا على أعقابهم وحتى لا تجري عليهم شرائع المشركين وأحكامهم، وأن هذا من سبيل الله تعالى ومن إعلاء دينه، واستنقاذ المستضعفين - ومنهم الأسارى - واجب على جمهور الأمة حسب استطاعتهم إما بالقتال - إن استطاعوا - أو بمفاداتهم بالمال وهذا محل إجماع أهل العلم.
قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) حض على الجهاد وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال وذلك أوجب لكونهما دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم وهذا لا خلاف فيه لقوله عليه السلام: (فكوا العاني) [3] ، وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة، فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا؟ قولان للعلماء أصحهما الرجوع. اهـ [4]
وعن وجوب استنقاذ أسارى المسلمين قال القرطبي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى مخاطبا بني إسرائيل (ثم أنتم
(1) ذكرنا في المبحث الخاص بالحالات التي يتعين فيها الجهاد على كل مسلم أنه يتعين نصرة المسلمين الذين أغار العدو على بلادهم ولا يستطيعون دفعه، وأن الواجب على من جاورهم أن ينفر إليهم وأن يغيثهم بكل ما يستطيع ويتسع هذا الواجب - إن لم يكف من جاورهم - حتى يعم مسلمي الأرض كلها.
(2) سورة النساء، الآية: 75.
(3) رواه البخاري وأحمد والبيهقي والدارمي.
(4) تفسير القرطبي ج5/ 279، راجع تفسير ابن كثير ج1/ 525.