الصفحة 80 من 87

وكان الله على كل شيء قديرا) [1] ، وقال (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما) [2] ، وفي الحديث المرفوع (وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي) ، وعن سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل? - أي تجنبوها وتركوها - ووضعوا السلاح وقالوا: لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إلي أني ملبث وأنتم تتبعوني أفنادا يضرب بعضكم رقاب بعض وعقر دار المؤمنين الشام) [3]

المقصد الثامن: دفع الظلم والعدوان والصائل على الدين والحرمة والمال: من مقاصد الجهاد الذي شرعه الله من أجلها دفع العدوان والظلم الذي يقع على أهل الإيمان من قِبَل أعدائهم، قال تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) [4] ، وقال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) [5]

فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنه ما أذن لعباده المؤمنين في الجهاد ولا شرعه لهم إلا بعد أن نالهم أعداءهم من أهل الشرك والكفر بالأذى وأخرجوهم من ديارهم وأوطانهم وأموالهم وأهليهم بغير سبب إلا انهم أفردوا الله تعالى وحده بالعبادة وأخلصوا له الدين، وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله وسبهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم، وكان فعلهم ذلك بهم بغير حق لأنهم كانوا على باطل والمؤمنون على الحق فلذلك قال جل ثناؤه (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) فأذن الله تعالى لهم أن ينتصروا من أعدائهم ووعدهم تعالى بالنصر والظفر والتمكين فقال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) ، فقد جعل الله تعالى الظلم الذي وقع على عباده المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وأموالهم بغير حق سببا في تشريع القتال والانتقام من أعدائهم والإذن لهم به بعد المنع ولذلك قال الشوكاني رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة، وهذه الآية مقررة أيضا لمضمون قوله (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) ، فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في (بأنهم ظلموا) للسببية أي بسبب أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد، ثم وعدهم سبحانه النصر على المشركين فقال (وإن الله على نصرهم لقدير) وفيه تأكيد لما مر من المدافعة أيضا، ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) . اهـ [6]

وقد ورد في الحديث أن من قُصِدَ دينه أو أُريد انتهاك عرضه أو أخذ مالُه بغير حق، فإن له أن يدفع عن نفسه بكل ما أمكنه من دفع، فإن قُتِل الصائل المعتدي على الدين أو المال أو العرض فلا شيء على من قتله ودمه هدر، وإن قتله الصائل وهو يدافع عن حر ماله أو عن حرمته أو دينه فهو شهيد والحديث الوارد في ذلك في الصحاح والسنن.

وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم القتال لدفع الظالم المعتدي على الحرمة والدين والمال والعرض وبَيَّن أن من قتل في ذلك فهو شهيد، وأن الباغي الظالم دمه هدر ولا قود ولا دية ولا كفارة على من قتله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، وقد بوب مسلم رحمه الله في صحيحه على هذا الحديث باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد، وروى عن سليمان الأحول أن ثابتا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره أنه لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) [7] ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة) [8] ، وعن سويد بن مقرن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) [9] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تعطه مالك) ، قال الرجل: أرأيت إن قاتلني؟، قال صلى الله عليه وسلم: (قاتله) ، قال الرجل: أرأيت إن قتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم:

(1) سورة الأحزاب، الآية: 27.

(2) سورة الفتح، الآية: 20.

(3) رواه النسائي والبيهقي والطبراني.

(4) سورة النساء، الآية: 84.

(5) سورة الحج، الآيتان: 39،40.

(6) راجع فتح القدير ج3/ 456، روح المعاني للألوسي ج17 - 162، تفسير أبي السعود ج6/ 108

(7) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجة والطبراني بألفاظ متقاربة وهو عن عبد الله بن عمرو وسعيد بن زيد وأبي هريرة.

(8) رواه بهذا اللفظ أحمد والنسائي والبيهقي.

(9) رواه النسائي وأحمد والبيهقي والضياء المقدسي في المختارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت