الصفحة 79 من 87

بقوله (ولولا دفع الله الناس ... ) الآية أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه، وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل هذه الآية. اهـ [1]

ومثل هذه الآية في المعنى قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) [2] فإن معناها أن الله تعالى يدفع الكافرين بالمؤمنين والظالمين بأهل العدل والمفسدين بأهل الصلاح ولولا ذلك لغلب أهل الكفر والفساد وملئوا الأرض من رجسهم وفسادهم ولما استطاع المؤمنون والصالحون عبادة ربهم ولا الدعوة إلى دينهم [3] .

ولذلك فقد وصف ابن القيم رحمه الله المجاهدين بقوله: قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه، وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التي يعملونها وإن باتوا في ديارهم، ولهم مثل أجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه، والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه. اهـ [4]

المقصد السادس: شفاء صدور المؤمنين وإذهاب غيظهم، قال تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم) [5] ، وفي هذه الآية دليل واضح على أن كل عمل يذهب غيظ المؤمنين وحنقهم على أهل الكفر ويشف صدورهم فهو من مقاصد الجهاد ومطلوب شرعا، وذلك مثل اغتيال أئمة الكفر ومن له اليد الطولى في حرب المسلمين وأذايتهم والذين يذيقون أهل الإسلام العذاب ألوانا، فإن قتل هؤلاء مذهب لغيظ قلوب من ظلموهم من أهل الإسلام ومشف لصدروهم مما فيها من الوجد عليهم.

المقصد السابع: رزق الله المؤمنين من الجهاد كما قال تعالى (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها

(1) تفسير القرطبي ج12/ 70، راجع تفسير البيضاوي ج4/ 129، فتح القدير للشوكاني ج3/ 457، زاد المسير لابن الجوزي ج1/ 300

(2) سورة البقرة، الآية: 251.

(3) راجع تفسير هذه الآية في تفسير القرطبي ج3/ 260، ابن كثير ج2/ 633، تفسير أبي السعود ج1/ 245.

(4) طريق الهجرتين لابن القيم/553، ط: دار الكتب العلمية.

(5) سورة التوبة، الآية: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت