الصفحة 77 من 87

الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض) [1] ، أي أمركم بالحرب والقتال ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين ويعلم الفارين والمنافقين [2] ، وقال تعالى (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) [3] ، وقال تعالى (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) [4] ، أي ليبتلي المؤمنين فيثبتهم ويكفر عنهم من ذنوبهم - إن كانت لهم ذنوب - وإلا رفع لهم درجاتهم بحسب ما أصيبوا به، (ويمحق الكافرين) أي يستأصلهم بالهلاك [5] ، وقال تعالى (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) [6] ، أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال وليظهر كفر المنافقين. [7]

المقصد الرابع: تعريض المؤمنين لطلب المعالي وارتقاء ذروة سنام الإسلام وابتغاء الدرجات العلا من الجنة ونيل درجة الشهادة، قال تعالى (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) [8] ، وذلك أن قوما قالوا إن سقاية الحجيج وخدمتهم وعمارة البيت الحرام والذي هو أطهر بقاع الأرض بالذكر والصلاة والدعاء والاعتكاف هي أفضل الأعمال مطلقا فأنزل الله تعالى هذه الآية توبيخا لهم وردا لمقالتهم وبين تبارك وتعالى أن الجهاد في سبيل الله تعالى بعد الإيمان به لا يعدله ما ذكروه من الأعمال وإن كانت عظيمة عند الله وعند الناس.

وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال صلى الله عليه وسلم: (لا أجده) ، ثم قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر) قال الرجل: ومن يستطيع ذلك، قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات [9] .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال صلى الله عليه وسلم: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) [10] .

(1) سورة محمد، الآية: 4.

(2) راجع: تفسير الطبري ج26/ 40، تفسير القرطبي ج16/ 230، تفسير ابن كثير ج4/ 175.

(3) سورة محمد، الآية: 31.

(4) سورة آل عمران، الآية: 142.

(5) راجع: تفسير القرطبي ج4/ 220، تفسير ابن كثير ج1/ 409.

(6) سورة آل عمران، الآية: 167.

(7) راجع: تفسير الطبري ج4/ 16، تفسير القرطبي ج4/ 266.

(8) سورة التوبة، الآية: 19.

(9) رواه البخاري والنسائي والترمذي وأحمد وأبو يعلى كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني عملا يعدل الجهاد؟ قال صلى الله عليه وسلم (لا أجده) ثم قال صلى الله عليه وسلم (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل المسجد فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر)

(10) رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي وأحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وروي مسلم نحوه، ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أيضا بلفظ: أي الناس أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم (رجل مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) قال: ثم من؟ قال صلى الله عليه وسلم (ثم امرؤ في شعب من الشعاب عبد الله عز وجل ويدع الناس من شره)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت