يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) [1] ، وعن النعمان بن بشير قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فساره فقال (اقتلوه) ثم قال (أيشهد أن لا إله إلا الله) قال الرجل: نعم ولكنه يقولها تعوذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتلوه فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [2]
ولذلك أنكر الله تعالى على من قتل من أتى بشعار الإسلام وما يدل على استسلامه وانقياده لله تعالى وانتظامه في سلك أهل الإسلام فقال تعالى (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة لدنيا فعند لله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن لله عليكم فتبينوا إن لله كان بما تعملون خبيرا)
قال القرطبي رحمه الله: والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز قتله، فإن قال لا إله إلا الله لم يجز قتله لأنه اعتصم بعصام الإسلام المانع من قتله، فإن قتله بعد ذلك قُتِل به، وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها تعوذا وخوفا من السلاح وأن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟) أخرجه مسلم، أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه، وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تُناط بالمظان والظواهر، لا على القطع واطلاع السرائر. اهـ [3]
وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن المقداد بن عمرو الكندي وكان حليفا لبني زهرة - وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - أخبره أنه قال لرسول الله: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتله) فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) [4]
وعن عقبة بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشذ من القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه، فقال الشاذ من القوم إني مسلم، فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله، فنمى الحديث إلى رسول
(1) رواه بهذا اللفظ مسلم وأحمد وابن حبان والطبراني والبزار
(2) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي والطبراني والظحاوي في شرح معاني الآثار.
(3) تفسير القرطبي، ج 5/ 338.
(4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة والطبراني وابن أبي شيبة.