الدنيا وكراهيتكم القتال) [1]
وقد صدق الشاعر حين تمثل قائلا:
إني لأفتح عينِي حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدًا!
المقصد الثاني: انتهاء المشركين عن كفرهم وشركهم ورفع شعائر الإسلام عالية وإقامة أحكام الشريعة على الخلق كلهم وإرغام أنف الكافرين، قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) [2] ، وهذه الآية الكريمة تبين أن الغاية من إيجاب القتال على أهل الإيمان هو أن لا يبقى في الأرض أي مظهر من مظاهر الشرك أو الكفر، وأن ترتفع كل مظاهر الإكراه المادي والمعنوي عن المستضعفين في الأرض وأن يكون كل الناس أحرارا في اختيارهم وتحمل تبعات ما يختارونه من دين، لأن معنى الفتنة شامل للمعنيين، وتدل الآية أيضا على أن أهل الكفر إن انتهوا عن كفرهم وشركهم فلا سلطان لأحد عليهم، إلا من أصاب حدا أو جرما فقد ظلم نفسه وجعل لغيره عليه سلطانا.
قال الجصاص رحمه الله: قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس الفتنة هاهنا الشرك، وقيل إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه الفتنة، وقيل إن الفتنة هي الاختبار والكفر عند الاختبار إظهار الفساد.
وأما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين، أحدهما: الانقياد، والآخر: العادة، والشرعي هو: الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة والعادة، وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب لأن ابتداء الخطاب جرى بذكرهم. اهـ [3]
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من غايات القتال العظمى - كما ذكر الله تعالى في كتابه - هو أن ينتهي الناس عن عبادة غير الله تعالى ويخلصوا دينهم لله وحده ويخلعوا ما كانوا يعبدون من أنداد وهذا هو معنى الشهادتين التي بعث النبي من أجل تحقيقها والتي كان يقاتل عليها النبي من امتنع عنها من أهل الشرك، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله) [4] ، وعن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من قال لا إله إلا الله وكفر بما
(1) رواه أحمد بإسناد جيد.
(2) سورة البقرة، الآية: 193.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج1/ 324، راجع ج4/ 229، فتح القدير للشوكاني ج2/ 351.
(4) سبق نخريجه.