قوله تعالى في خطابه لملائكته (إني جاعل في الأرض خليفة) [1] ، وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [2] ، وقال تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) [3] ، وقد استدل العلماء بهذه الآيات على وجوب تنصيب إمام يُسمع له ويطاع، وأجمع الصحابة على مقتضى هذه الآيات فقد تركوا النبي صلى الله عليه وسلم عدة أيام ولم يدفنوه حتى اجتمعوا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد أجمع أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على وجوب تنصيب الخليفة المسلم العدل للحكم بين الناس بالحق وإقامة أحكام الله تعالى والقيام على مصالح الأمة وجمع كلمتها والجهاد في سبيل الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا النجدات من الخوارج المارقين وأبو بكر الأصم، وحكى هذا الإجماع كثير من العلماء منهم القرطبي وابن حزم والماوردي والجويني والنووي ومحمد بن علي القلعي وابن خلدون والشوكاني وغيرهم كثير [4]
ومما يدل على أنه لا يجوز للناس وخاصة القائمين منهم بالجهاد في سبيل الله تعالى أن يبقوا بلا أمير ما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة) قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ بن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) [5] ، قال بن إسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم الأنصاري رضي الله عنه فقال: اصطلحوا على رجل، فقالوا: أنت لها قال: لا؟ فاصطلحوا على خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعن أبي اليسر الأنصاري قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعها إلى خالد بن الوليد وقال له: أنت أعلم بالقتال مني [6] ، وقد بوب البخاري رحمه الله عليه باب من تأمر في الحرب بغير إمرة إذا خاف العدو.
فالحديث واضح الدلالة على أنه يجوز للمسليمن تأمير رجل منهم إن لم يكن لهم أمير أو تعذرت مراجعة الإمام
(1) سورة البقرة، الآية: 30.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(3) سورة النور، الآية: 55.
(4) راجع في ذلك: الأحكام السلطانية للماوردي/5، شرح مسلم للنووي، ج12/ 447، تفسير القرطبي ج1/ 280، ط: دار الحديث القاهرة، مقدمة ابن خلدون/171، تهذيب الرياسة وترتيب السياسة للقلعى/74، وقد ذكرنا شرحا مختصرا لهذه المسألة في الباب السابع من كتابنا التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان فليرجع إليه من أراد الزيادة.
(5) رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة.
(6) رواه الطبراني، وذكره ابن حجر في الفتح ج7/ 512 وسكت عليه، قال الهيثمي: فيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف، وذكره الذهبي بلفظ: وقيل.