الصفحة 67 من 87

الأعظم - إن وجد - في ذلك، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على ما ذكرناه فقال البيهقي رحمه الله بعد روايته للحديث: وفيه دلالة على أن الناس إذا لم يكن عليهم أمير ولا خليفة فقام بإمارتهم من هو صالح للامارة وانقادوا له انعقدت ولايته حيث استحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه من أخذه الراية وتأمره عليهم دون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودون استخلاف من مضى من أمراء النبي صلى الله عليه وسلم إياه والله أعلم [1]

قال ابن جر رحمه الله: قوله (حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) وفي حديث أبي قتادة (ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمر نفسه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره) فمن يومئذ سمى سيف الله، وفي حديث عبد الله بن جعفر (ثم أخذها سيف من سيوف الله - خالد بن الوليد - ففتح الله عليهم) وتقدم حديث الباب في الجهاد من وجه آخر (فأخذها خالد بن الوليد إمرة) والمراد نفي كونه كان منصوصا عليه.، وقال ابن حجر رحمه الله: وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير - أي بغير نص من الإمام - قال الطحاوي: هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر، وقال ابن حجر أيضا: قال ابن المنير: يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكما، كذا قال، ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه، وكذا إذا غاب إمام الجمعة قدم الناس لأنفسهم. اهـ [2]

وهذا الحديث وما ورد في فقهه هو نص في محل النزاع في هذه المسألة لا دافع له، وهو واضح الدلالة على وجوب الإمارة على الجماعات القائمة بفرائض الدين ومنها الجهاد في سبيل الله، ففي مؤتة كان النبي صلى الله عليه وسلم ? وهو الإمام - غائبا، فأمر المسلمون من بينهم من هو أهل للإمارة دون الرجوع للنبي صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا إليه صوب صنيعهم، والعلة المشتركة بين ما ورد في الحديث وبين ما نحن بصدده هي اجتماع طائفة من المسلمين على واجب من واجبات الدين مثل الجهاد بمعزل عن الإمام، سواء كان الإمام غائبا أو معدوما، ففي كلا الحالين هو غائب عن صنيعهم.

وقد يقول قائل: إن الحديث ينص على جواز التأمير بغير إذن الإمام الموجود فعلا ولا يدل على أكثر من ذلك، وهذا قول يدل على قلة فقه قائله، لأن العلة الموجودة في الحديث وهي غيبة الإمام عن النظر للرعية موجودة في حالة انعدام الإمام، ولذلك فقد استفاد منه العلماء ما يجب على المسلمين عمله إذا لم يكن لهم إمام ولا أمير على وجه العموم، وهذا واضح في قول البيهقي رحمه الله السابق حيث قال: وفيه دلالة على أن الناس إذا لم يكن عليهم أمير ولا خليفة فقام بإمارتهم من هو صالح للإمارة وانقادوا له انعقدت ولايته، وقد أوضح ابن قدامة رحمه الله ما

(1) سنن البيهقي الكبرى ج8/ 154.

(2) راجع فتح الباري ج7/ 513.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت