الصفحة 63 من 87

قتالهم. اهـ [1]

فالصواب والله تعالى أعلم أن ما ورد في الاعتزال في غير فتنة القتال فإنه محمول على اعتزال شرور الناس وآثامهم وأن لا يصل من المسلم إلى الناس إلا كل خير مع التعاون على البر والتقوى وإقامة ما يستطاع من الواجبات الشرعية، وعلى هذا يحمل ما ورد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) [2] وما جرى مجراه من الأدلة الموافقة له، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن المجاهد خير من المؤمن المعتزل، والعزلة لا تكون إلا في وقت الفتن.

ولذلك فقد قال ابن حجر رحمه الله في شرحه: قوله (أي الناس أفضل) وفي رواية للحاكم (أي الناس أكمل إيمانا) وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به ثم حصل هذه الفضيلة وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية وحينئذ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى ولما فيه من النفع المتعدي وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام فقد لا يفي هذا بهذا وهو مقيد بوقوع الفتن.

قوله (مؤمن في شعب) في رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري (رجل معتزل) قوله (يتقي الله) في رواية مسلم من طريق الزبيدي عن الزهري (يعبد الله) وفي حديث ابن عباس (معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس) وللترمذي وحسنه والحاكم وصححه من طريق ابن أبي ذئاب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا مر بشعب فيه عين عذبة فأعجبه فقال: لو اعتزلت ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما) ، وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك وأما اعتزال الناس أصلا فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن، ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير) أخرجه مسلم وابن حبان. اهـ [3]

ويكفي في فضيلة القيام بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى أن الله تعالى قد بين أنه ينجي به من عذاب الآخرة

(1) أحكام القرآن للجصاص ج5/ 281.

(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن حبان والنسائي وابن ماجة وأحمد والبيهقي وأبو عوانة كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بألفاظ متقاربة.

(3) فتح الباري ج6/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت