الصفحة 62 من 87

النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب الملك، وقد وقع في حديث ابن مسعود الذي أشرت إليه قلت: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: (أيام الهرج) قلت: ومتى؟ قال: (حين لا يأمن الرجل جليسه) .اهـ [1]

وقال أيضا رحمه الله في كلام نفيس فيما يجب على المسلم عمله حين يقع الاختلاف بين المسلمين قال: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهرب منه ولزوم المنازل لما أُقِيمَ حد ولا أُبْطِل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم وذلك مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا على أيدي سفهائكم) . اهـ [2]

ولذلك فقد قال الجصاص رحمه الله: ولم يختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب قتال الفئة الباغية بالسيف إذا لم يردعها غيره ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنها لقتلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم واصطلموهم، فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر قيل له لم يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائز أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك، ألا ترى أنهم قد قعدوا عن قتال الخوارج لا على أنهم لم يروا قتالهم واجبا لكنه لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم، فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي) ، قيل له إنما أراد به الفتنة التي يقتتل الناس فيها على طلب الدنيا وعلى جهة العصبية والحمية قتال مع إمام تجب طاعته، فأما إذا ثبت أن إحدى الفئتين باغية والأخرى عادلة مع الإمام فإن قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسبا في

(1) فتح الباري ج13/ 31، والحديث رواه أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والطبراني في الكبير عن أبي بكرة وابن مسعود رضي الله عنهما وهو عن عمرو بن وابصة الأسدي عن أبيه وابصة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع والمضطجع فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الراكب قتلاها كلها في النار) قلت: متى ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: (تلك أيام الهرج حيث لا يأمن الرجل جليسه) قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال صلى الله عليه وسلم (تكف لسانك ويدك وتكون حلسا من أحلاس بيتك) قال وابصة: فلما قتل عثمان رضي الله عنه طار قلبي مطاره فركبت حتى أتيت دمشق فلقيت خزيم بن فاتك رضي الله عنه فحدثته فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنيه بن مسعود، ورواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال صلى الله عليه وسلم (حين لا يأمن الرجل جليسه) قلت: فبم تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم (أدخل بيتك) قلت: أفرأيت إن دُخِلَ عليَّ؟ قال صلى الله عليه وسلم (فادخل مخدعك) قلت: أفرأيت إن دخل علي؟ قال صلى الله عليه وسلم (قل هكذا وقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد الله المقتول) ، ورواه الحاكم بطوله وقال: صحيح ولم يخرجاه، وقال الهيثمي عنه: رواه أبو داود باختصار رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.

(2) راجع فتح الباري ج13/ 34، والحديث الأخير رواه الطبراني البيهقي في شعب الإيمان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ورواه عنه أيضا أبو الشيخ والديلمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت