الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم متأول مأجور إن شاء الله بخلاف من جاء بعدهم ممن يقاتل على طلب الدنيا. اهـ [1]
ولذلك فقد تكلم العلماء في بيان حقيقة من امتنع من الصحابة من مباشرة القتال في بعض الأحوال كما ذكرنا آنفا، حيث قال ابن حجر رحمه الله: الحق حمل عمل كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية، وإذا لم يكن له قدرة على القتال، وقد وقع لخزيمة بن ثابت رضي الله عنه أنه كان مع علي وكان مع ذلك لا يقاتل، فلما قتل عمار قاتل حينئذ، وحدث بحديث يقتل عمارا الفئة الباغية أخرجه احمد وغيره. اهـ [2]
وقال أيضا رحمه الله: وقيل الفتنة مختصة بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك وأما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة، وهذا قول الجمهور. اهـ [3]
وقال أيضا رحمه الله في بيان قاطع للنزاع: والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، قال الطبري اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت وقالت طائفة بل بالتحول عن بلد الفتن أصلا، ثم اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل ومنهم من قال بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو قتل.
وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب وهذا قول الجمهور، وفصل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيرها على ذلك وهو قول الأوزاعي.
قال الطبري: والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ وان أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك، وقيل: إن أحاديث
(1) فتح الباري ج13/ 34، وراجع/41، 42.
(2) فتح الباري ج13/ 42.
(3) فتح الباري ج13/ 47.