الصفحة 60 من 87

هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي) وأحاديث الفتنة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة.

قال ابن حجر رحمه الله: والفِتَن جمع فتنة، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الإنسان النار ويطلق على العذاب كقوله (ذوقوا فتنتكم) ، وعلى الاختبار كقوله (وفتناك فتونا) [1] ، وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا قال تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) [2] ، ومنه قوله (وإن كادوا ليفتنونك) ، أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك، وقال أيضا: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فان كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله (والفتنة أشد من القتل) ، وقوله (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) ، وقوله (ما أنتم عليه بفاتنين) ، وقوله (بأيكم المفتون) وكقوله (واحذرهم أن يفتنوك) .

وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك [3]

إذا تبين هذا وعرف أن للفتنة معان متعددة، فلابد من تحديد الفتنة التي أُمِرَ المسلم فيها بالاعتزال، وإلا فلو قلنا بالعزلة في كل فتنة حاصلة للمسلم على ما تقدم من معاني الفتنة كلها، فلن تقام لله شريعة ولن يُحَق حق ولن يُبطل باطل أبد الآبدين ودهر الداهرين.

وقد ورد في الحديث المرفوع ما يبين نوع القتال الذي يعتزله المسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل) [4] ، وقد روى البزار هذا الحديث بزيادة تبين المراد وهي (إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار)

قال ابن حجر رحمه الله: قال القرطبي: فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله (القاتل والمقتول في النار) ، قال ابن حجر: ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في

(1) سورة طه، الآية: 40.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 35.

(3) فتح الباري ج13/ 3.

(4) رواه مسلم في صحيحه وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل) فقيل كيف يكون ذلك؟ قال (الهرج، القاتل والمقتول في النار)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت