فتنتكم وغايتها ومصير أمرها، كقوله (ذوقوا ما كنتم تكسبون) [1] .
وجماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد، والفَتْنُ: الإحراق ومن هذا قوله عز وجل (يوم هم على النار يفتنون) [2] أي يحرقون بالنار، ويسمى الصائغ الفتان وكذلك الشيطان، والفتنة الاختبار والمحنة والمال والأولاد والكفر واختلاف الناس بالآراء، وقوله عز وجل (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) [3] يقول: لا تظهرهم علينا فيعجبوا ويظنوا أنهم خير منا، فالفتنة ههنا إعجاب الكفار بكفرهم، والفتنة الضلال والإثم والفاتن المضل عن الحق والفاتن الشيطان لأنه يضل العباد، وفتن الرجل أي أزاله عما كان عليه، ومنه قوله عز وجل (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) [4] أي يميلونك ويزيلونك، وقيل: الفتنة الإضلال في قوله عز وجل (ما أنتم عليه بفاتنين) [5] يقول ما أنتم بمضلين إلا من أضله الله أي لستم تضلون إلا أهل النار الذي سبق علم الله في ضلالهم، وقوله تعالى (والفتنة أشد من القتل) معنى الفتنة ههنا: الكفر، كذلك قال أهل التفسير، قال ابن سيده: والفتنة الكفر وفي التنزيل العزيز (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) والفتنة: الفضيحة، وقوله عز وجل (ومن يرد الله فتنته) قيل: معناه فضيحته، وقيل: كفره، قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره، والفتنة العذاب نحو تعذيب الكفار ضعاف المؤمنين في أول الإسلام ليصدوهم عن الإيمان كما مطي بلال على الرمضاء يعذب حتى افتكه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأعتقه، والفتنة ما يقع بين الناس من القتال، والفتنة: القتل ومنه قوله تعالى (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) [6] ، وكذلك قوله عز وجل في سورة يونس (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) [7] أي يقتلهم، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم (إني أرى الفتن خلال بيوتكم) [8] فإنه يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين إذا تحزبوا ويكون ما يبلون به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء) [9] يقول: أخاف أن يعجبوا بهن فيشتغلوا عن الآخرة والعمل لها، وقوله عز وجل
(1) سورة الزمر، الآية: 24.
(2) سورة الذاريات، الآية: 13.
(3) سورة الممتحنة، الآية: 5.
(4) سورة الإسراء، الآية: 73.
(5) سورة الصافات، الآية: 162.
(6) سورة النساء، الآية: 101.
(7) سورة يونس، الآية: 83.
(8) رواه بهذا اللفظ البزار في مسنده، ورواه البخاري ومسلم واحمد وابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال: (هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر)
(9) رواه البخاري ومسلم وابن حبان وابن ماجة وأحمد والنسائي والبيهقي والطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ورواه البزار والترمذي عنه وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روى هذا الحديث غير واحد من الثقات عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ولا نعلم أحدا قال عن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد غير المعتمر.