الصفحة 55 من 87

المنصورة وتقوم بحمل أمانة هذا الدين وتجاهد عليه فيلتزمها.

ولذلك فقد بيّن علماؤنا الكرام أنه إذا لم يوجد الإمام الذي يسمع له الناس ويطيعون فإنه لا يجوز تأخير الفرائض التي يستطيعون القيام بها ومن أهمها وأعظمها الجهاد في سبيل الله فقد قال ابن قدامة رحمه الله: فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضي: ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج. [1]

وقد أفصح الجويني رحمه الله عما يجب على المسلمين فعله إذا خلا الزمان عمن يقوم بالأحكام الشرعية من ولاة الأمور وكأنه يتحدث عن زماننا هذا وما يجب على المسلمين فعله لإقامة الواجبات الشرعية، فقال: وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد ... إلى أن قال رحمه الله: وقد قال بعض العلماء لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إظلال الواقعات ... إلى قوله: فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم ... إلى آخر قوله رحمه الله. اهـ [2]

ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلام جامع شاف مبينا الواجب على المسلمين إذا كان الإمام ضعيفا عن إقامة الواجبات والحدود الشرعية أو ضيعها: خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا، كقوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا) ، وقوله (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) ، وكذلك قوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) ، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد ... إلى أن قال:

والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه ... إلى أن قال: وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود الشرعية أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن

(1) راجع المغني ج9/ 167

(2) الغياثي للإمام الجويني/285 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت