الصفحة 54 من 87

على المذكور قبله في النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم) ولا يقول مسلم فضلا عن عالم أن من دعا الناس إلى القيام بفرائض الله تعالى ومنها الجهاد في سبيل الله تعالى داع إلى جهنم، ولكن المقصود بهذا كما ورد في أقوال أهل العلم وتفسيرهم لهذه اللفظة أنهم إما الأمراء الذين يأمرون الناس بالمنكر والضلال، أو هم فرق البدعة والضلال الخارجين عن الحق الذين يدعون الناس إلى البدعة المؤدية إلى دخولهم النار، ولذلك فقد وقع في رواية أخرى للحديث وصفهم بأنهم (فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس) ولذلك قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة، وقال ابن حجر: والمراد بالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم.

الوجه الثاني: الألف واللام في لفظة (تلك الفرق) هي للعهد وتدل على مذكور قبلها معهود في ذهن المستمع وهم أهل البدع والضلالة أو الأمراء الداعين إلى المنكر كما سبق، ولا يصح حمل اللام على الجنس وإلا دخلت في هذه الفرق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وهذا باطل بالإجماع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا تزال فرقة الحق وأهل السنة باقية إلى قيام الساعة، فاللام في لفظ (الفرق) الوارد في الحديث هم المقصودون بقوله صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم) ، ومن هنا يُعلم أن الفرق المأمور باعتزالها هي فرق البدع والضلالة لا غير، وقد ورد هذا مفسرا في رواية أخرى لنفس الحديث بلفظ (ثم تنشأ دعاة الضلالة) [1]

الوجه الثالث: أنه يجب الجمع بين الأحاديث الواردة في باب واحد حتى يُعرف عامها من خاصها ومطلقها من مقيدها، وبجمع الأدلة الواردة في هذا الباب يتبين لنا أن الاعتزال الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم (فاعتزل تلك الفرق كلها) إن افترضنا جدلا أنه عام في كل الفرق الموجودة حينئذ ومنها الفرقة الناجية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بدوامها واستمرارها إلى يوم القيامة فهو من العام المخصوص، فيكون المقصود من الحديث اعتزل كل الفرق التي على ضلال والتزم الفرقة الناجية وجماعة الحق التي لا ينقطع وجودها إلى يوم القيامة، وقد ذكرنا سابقا الأحاديث الواردة في الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وأنها هي التي تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحق والتي تقاتل على هذا الحق إلى قيام الساعة، فهذه الطائفة قائمة بأمر الدين تقاتل عليه موعودة بالنصر مبشرة بأنها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها باقية بلا انقطاع من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخرها الدجال مع عيسى عليه السلام وذلك بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل يقول مسلم أو عالم أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين باعتزال هذه الطائفة الناجية القائمة بأمر الدين المقاتلة عليه؟ والصواب في ذلك أن يقال: إذا افترق الناس شيعا وكانوا أحزابا حينما لا يكون للمسلمين أمام يجمع كلمتهم فلينظر المسلم أي الطوائف الموجودة في مكانه تتبع منهج الفرقة الناجية والطائفة

(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومعمر في جامعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت