الصفحة 36 من 87

عامة علماء الإسلام، وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز لا يبطل الصلاة وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما أو يكره الآخر، فالمنازعة بينهم في المستحب وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عوام العلماء، وكانوا رحمهم الله يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شىء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة.

ومن الخلاف ما يكون كل من القولين فيه هو في الواقع في معنى قول الآخر لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود والتعريفات وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات وتقسيم الأحكام وغير ذلك، ثم الجهل أو الظلم هو الذي يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى.

ومنه ما يكون المعنيان متغايران لكن لا يتنافيان فهذا قول صحيح وذلك قول صحيح، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر وهذا كثير في المنازعات جدا.

ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ولكن قد سلك رجل أو قوم هذه الطريقة وآخرون قد سلكوا الأخرى وكلاهما حسن في الدين، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم أحدهما أو تفضيله بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية.

وأما اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما فيما عُلم وظهر من الأدلة أن الحق فيه واحد لا يحتمل التعدد وهذا الذي يتعذر معه الائتلاف، وهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذم فيه الأخرى، كما في قوله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا) [1] ، فقوله (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) حمد لإحدى الطائفتين وهم المؤمنون وذم للآخرى، وكذلك قوله (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ... ) الآية [2] ، مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنها نزلت في المقتتلين يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحرث رضي الله عنه والذين بارزوهم من قريش وهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

*وقد يكون كل المختلفين مذمومين إذا أحاط بهذا الخلاف ما يوجب الذم من فساد نية أو بغي ومجاوزة الحد أو

(1) سورة البقرة، الآية: 253.

(2) سورة الحج، الآية: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت