الصفحة 37 من 87

الحسد وإرادة العلو في الأرض، وهذا كما في قوله تعالى (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) ، وكذلك قوله (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) ، وقوله (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) ، وقوله (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) ، وكذلك وصف اختلاف النصارى بقوله (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) ، ووصف اختلاف اليهود بقوله (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) ، وقال (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) ، وكذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة قال (كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ، وفي الرواية الأخرى (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، فبين صلى الله عليه وسلم أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا فرقة واحدة وهم أهل السنة والجماعة.

وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة فساد النية لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض بالفساد ونحو ذلك وما أكثر هذا في بني آدم، ويكون سببه تارة أخرى جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق في الحكم أو في الدليل وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا، والجهل والظلم هما أصل كل شر كما قال سبحانه (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) ، وأكثر الاختلاف الذي يقع بين الأمة وآل إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء سببه في الغالب أن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها، وهذا نوع من البغي الذي جعله الله مصدر الاختلاف في قوله تعالى (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) ، لأن البغي مجاوزة الحد وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة. اهـ [1]

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله مؤكدا على معنى ما سبق: لو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف، فما جاز مثله في النص جاز في الاجتهاد، وقد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المختلفات وأروش كثير من الجنايات فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف وهذا حكم مسائل الاجتهاد، ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون يُسَوِّغُ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته بلا لوم ولا تعنيف، فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف، فثبت بذلك أن الله تعالى

(1) اقتضاء الصراط المستقيم ج1/ 39: 41، راجع مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/ 368 وما بعدها، ج24/ 170 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت