سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال صلى الله عليه وسلم (كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) [1] ، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخرَ من الحق لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه، وعلل ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا، ولهذا قال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما: أدرك هذه الأمة لا تختلف في الكتاب كما اختلفت فيه الأمم قبلهم، وذلك لما رأى أهل الشأم وأهل العراق يختلفون في حروف القرآن الاختلاف الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاد ذلك شيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا، والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا والحذر من مشابهتهم.
وأكثر الاختلاف الواقع بين الأمة الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب وهو أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه مخطئا في نفي حرف غيره، فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه، ولهذا نهيت هذه الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض، لأن مضمون الضرب الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى إذا اعتقد أن بينهما تضادا إذ الضدان لا يجتمعان، ومثل ذلك ما رواه مسلم أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: هجَّرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرَفُ في وجهه الغضب فقال (إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال صلى الله عليه وسلم (أبهذا أُمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نُهيتم عنه فانتهوا) ، وفي رواية (يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به) ، وفي رواية (فإن الأمم قبلكم لم يُلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء
(1) روى البخاري في صحيحه وأحمد والنسائي وأبو يعلى واللفظ للبخاري عن بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رجلا قرأ آية وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال صلى الله عليه وسلم: (كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ، ورواه أحمد والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قرأت آية وقرأ بن مسعود قراءة خلافها فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرأني آية كذا وكذا، قال (بلى) قال بن مسعود رضي الله عنه: ألم تقرأنيها كذا وكذا، قال (بلى) قال صلى الله عليه وسلم (كلاكما محسن مجمل) قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال: فضرب في صدري وقال (يا أبي أقرأت القرآن فقيل لي على حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أم ثلاثة؟ فقال لي الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ليس فيها إلا شاف كاف، قلت غفور رحيم عليكم حليم سميع عليم عزيز حكيم نحو هذا ما لم يختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب) ،