إن المتأمل في نصوص الكتاب والسنة ليتضح له أن الاختلاف في الأصل نوعان لا ثالث لهما اختلاف تنوع واختلاف تضاد، فأما اختلاف التنوع فهو الخلاف الذي يكون فيه كل واحد من المختلفين أو كل طائفة من الطوائف على صواب، ويكون كل أقوال وأفعال المختلفين حقا يحتمله الدليل، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل هذا إذا لم يحصل من أحداهما بغي كما في قوله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) [1] ، وقد كان الصحابة رضي الله عنه في حصار بني النضير اختلفوا في قطع الأشجار والنخيل فقطع قوم وترك آخرون وكما في قوله تعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) [2] فخص سليمانَ بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم، وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة وقد كان أمر المنادي ينادي (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فمنهم من صلى العصر في وقتها ومن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة رواه البخاري في صحيحه عن بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم [3] ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ولم يصب فله أجر) ، وفي رواية أخرى (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران) [4] ونظائره كثيرة كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
(1) سورة الحشر، الآية: 5.
(2) سورة الأنبياء، الآيتان: 78ـ79.
(3) رواه مسلم وابن حبان وأبو عوانة والبيهقي عن عبد الله بن عمر أيضا واللفظ لمسلم قال: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف عن الأحزاب (أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا من الفريقين، ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب نزع لأمته واغتسل واستجمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فتبدا لي جبريل عليه السلام فقال: عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد) فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فلبس السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قريظة حتى غابت الشمس، فاختصم الناس في غزوتها في صلاة العصر فقال بعضهم: قد عزم علينا أن لا نصلي العصر حتى نأتي بني قريظة وإنما نحن في عزمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم، فصلت طائفة منهم العصر إيمانا واحتسابا، وطائفة أخرى لم تصل حتى أتوا بني قريظة بعد ما غابت الشمس فصلوها إيمانا واحتسابا، فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة.
(4) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنه ورواه الحاكم، ورواه الحاكم والدارقطني من حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بلفظ إذا (اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله عشرة أجور) قال الحاكم صحيح الإسناد، قال ابن حجر: وفيه فرج بن فضالة وهو ضعيف وتابعه بن لهيعة بغير لفظه، ورواه أحمد من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ (إن أصبت القضاء فلك عشرة أجور وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة) وإسناده ضعيف أيضا (راجع تلخيص الحبير لابن حجر ج4/ 180، خلاصة البدر المنير ج2/ 423)