قبل الجواب أقول منبّها أنّ الردّ على هذه الشبهات و الإستفسارات ستكون على وجه الإختصار إن شاء الله، و الله المستعان.
الجواب: الظاهر أنّ المتكلّم بهذه الشبهة يلتقي معنا في مشروعية جهاد الأنظمة إلاّ أنّه رأى أنّ الوقت لم يحن، و مع ذلك لنا مع هذه الشبهة الّتي يروّج لها من تخلّى عن العمل الجهادي خاصّة وقفات.
/ صحيح أنّ الأعمال التكليفية و منها الجهاد في سبيل الله تعالى منوط بالقدرة لقول الله جلّ و علا:"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، إلاّ أنّ القدرة ليست شرط صحة في هذه العبادات و على رأسها الجهاد في سبيل الله، قال شيخ الإسلام في رسالة قاعدة الإنغماس: فإن قيل: قد قال الله تعالى:"إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله - الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ" [سُورَةُ الأَنْفَالِ: 65 - ] .
و قد قالوا: إنّ ما أمر به من مصابرة الضِّعف في هذه الآية ناسخٌ لما أمر به قبل ذلك من مصابرة عشرة الأمثال. قيل: هذا أكثر ما فيه أنّه لا تجب المصابرة لما زاد على الضعف ليس في الآية أنّ ذلك لا يستحب ولا يجوز. و أيضا: فلفظ الآية إنّما هو خبر عن النصر مع الصبر وذلك يتضمن وجوب المصابرة للضِّعف ولا يتضمن سقوط ذلك عمّا زاد عن الضعف مطلقا بل يقتضي أنّ الحكم فيما زاد على الضعفين بخلافه فيكون أكمل فيه، فإذا كان المؤمنون ظالمين لم يجب عليهم أن يصابروا أكثر من ضعفيهم، وأمّا إذا كانوا هم المظلومين وقتالهم قتال وَقَعَ عن أنفسهم فقد تجب المصابرة كما وجبت عليهم المصابرة يوم أحد ويوم الخندق مع أنّ العدو كانوا أضعافهم. و ذمّ الله المنهزمين يوم أحد والمُعرضين عن الجهاد يوم الخندق في سورة آل عمران والأحزاب؛ بما هو ظاهر معروف. و إذا كانت الآية لا تنفي وجوب المصابرة لما زاد على الضعفين في كلّ حال، فإن لا تنفي الإستحباب والجواز مطلقا أولى وأحرى. إنتهى
/ ثمّ إذا عجزت طائفة عن الجهاد لعدم القدرة، فإنّ الإعداد للجهاد لا يسقط حينها، بل يجب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 8/ 259: يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز؛ فإنّ مالا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. إنتهى
فهل أصحاب هذه الشبهة هم في طور الإعداد للجهاد في سبيل الله، ام انّهم ركنوا إلى الّذين ظلموا و كفروا و حاربوا؟
أكيد الجواب هو الثاني أي انّهم ركنوا إلى الظلمة الكفرة، و قد قال تعالى:"وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) "من سورة هود.
/ إذا تيسّر لطائفة من المؤمنين الجهاد في سبيل الله و عجز عنه الباقون، فهو متعيّن على الطائفة المجاهدة، أمّا العاجزة فيتعيّن عليها نصرة المجاهدة، قال الحافظ إبن حجر فتح الباري (13/ 123) : إنّه - أي الحاكم - ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كلّ مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، و من داهن فعليه الإثم، و من عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض. إنتهى
و تأمّل إلى كلمة الفضيل بن عياض الّتي نقلها لنا الإمام النووي شرح صحيح مسلم (12/ 229) : أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر، و على أنّه لو طرأ عليه الكفر و تغيير للشرع أو بدعة - و الظاهر أنّها بدعة مكفّرة - خرج عن حكم الولاية، و سقطت عدالته، و وجب على المسلمين القيام عليه و خلعه، و نصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر. إنتهى
قال الإمام الجويني غياث الأمم (ص: 72) : إذا إنسلّ عن الدّين - أي الحاكم - فالأمّة في تأخير إقالته بعد ثبوت ردّته آثمة. إنتهى
فلابدّ لمن قام بأمر الله تعالى الصبر و الثبات على الجهاد، أمّا العاجز، فله قول ربّنا سبحانه:"لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) "
قال إبن كثير: فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم، ولهذا قال:"ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم". إنتهى
أمّا أن يتحوّل العاجز إلى مثبّط و مشكك، بل و مؤيّد للنظام بالركون إليه فهذا له تهديد ربّنا سبحانه:"فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ"