وصل إلينا من عظيم الرّوم كتاب مدّعي في المقادير، وأحكام العزيز القدير، يجمع تارة ثمّ يفرّق ويهدد بجنوده المتوافرة، وأحواله المتظاهرة، ولو علم أنّ لله جنودا أعزّ بهم الإسلام، أعزّة على الكافرين أذلّة على المؤمنين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون، بالتّقوى يعرفون، وبالتّوبة يتضرّعون، فإذا لمعت للرّوم بارقة فبإذن الله، وليعلم المؤمنون، ولميّز الله الخبيث من الطّيب وليعلم المنافقين، أمّا تعييرك للمسلمين فيما وَهَي من أحوالهم بالذّنوب المكروهة، ولو اتّفقت كلمتنا مع سائر من الأملاك لعلمت أيّ مصاب أذقناك، كما كانت أباؤك تتجرّعه، أمّا نحن إن قلّ تعدادنا، وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فليس بيننا وبينك بحر نخوضه، ولا صعبا نروضه، ليس بينا وبينك إلاّ السّيوف تشهد بحدّها رقاب قومك، وجلادٌ تبصره في ليلك ونهارك، وبالله تعالى وملائكته المسوّمين نستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون به علينا إلاّ إحدى الحسنيين: نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنّة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنّة.
فما كان على ألفونسو6 إلاّ أن يتنازل عن مطلبه وينسحب من المعركة.
فعلى ماذا اعتمد المتوكّل بن أفطس وهو يواجه مثل هذا التحدّي من أظلم دولة في ذاك الزمان؟ بل من حفّز سلطان طُقز، والجيش الإسلامي بمصر لمواجهة أعتى جيش في قرن السابع الهجري وهو جيش المغول بقيادة هولاكو التي كانت تخشاه حتى الجيوش الصليبية، وفي سنة 680 هجري الموافق 1260 بعين جالوت انتصر المسلمون على المغول.
حتى الذين درسوا التاريخ من الكفار علموا السرّ الذي كان من وراء انتصارات المسلمين كالكاتب المستشرق"جب هاملتون"في كتابه [حضارة الإسلام] ، والصهيوني"هراكابي يهوشافاط"في كتابه: [الاستراتجيات العربية] قال هذا الأخير: إن الموقف العقلي يبقى أشدّ حسما لأنّ الموقف الفعلي"المادي"قد يؤثر على الدوافع آنية، بينما الموقف الفكري الإيديولوجي أكثر أهمية على المدى البعيد في تكييف الاعتبارات السياسية والسلوك السياسي طالما استمرّت الإيديولوجية قائدة للولاء. اه
فالفكرة القويّة هي التي بإمكانها أن تتحوّل إلى نظام محكم، ثمّ إلى نظام منافس بإمكان أن يمتلك قوّة مادية هائلة، ويُكيّف السلوك السياسي.
إذا ما أردنا أن نحقق موقفا قويّا لا بدّ من فكرة قويّة وتحقيق ذلك يبدأ بالإيمان الصادق بالإسلام وأنّه دين كامل، شامل وعامّ، والإستقامة عليه قدر المستطاع، ثمّ إبراز مبادئه التي مازال يخاف من انتشارها الغرب إلى اليوم.
إن العدوّ من خلال ما مضى عندما يتأكّد أن الموقف الفكري الذي ننطلق منه لمواجهته نابع ممّا جاء به الإسلام، فلا مناص من أنّه يتأكّد أنّه لن يستطيع الدخول من الأبواب التي كان يدخل منها لكسر شوكتنا.
فالقوّة المادّية لا تكتسب بالإرتماء في أحضان الكفار، ولا بالشعارات القوميّة، ولا بالقوانين الوضعية ولا بالمبادئ العلمانية، ولا بالمؤتمرات والقرارات والتنديدات الفارغة، إنّ القوّة تكتسب بعودة الأمّة إلى دينها عودة صادقة، وبإحياء روح الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام.
ألخص بعض المسائل في نقاط:
-كفانا بكاء وقبول التعازي، فعلينا أن نفكر في طريقة المبادرة إلى الأعمال على مختلف أشكالها.
-كفانا من الأعمال العشوائية التي يقطف ثمارها غيرنا.
-على الصّادقين أن يتقوا الله تعالى ويتخلّوا عن العمل الحزبي، فإنه والله لن يجدي بل يفسد ويميّع قضايا الأمّة ولا يصلحها.
علينا أن نفكر في العمل الجماعي الجاد والمنضبط والمتكامل.
-على العاملين أن يوحّدوا مصدر التلقي والاستدلال لأعمالهم فهذا كفيل بعد الله تعالى بإبعادنا عن كثير من المتاهات والطرق الملتوية. مصدر التلقي والاستدلال لا بدّ أن يكون كتاب ربّنا وهدي نبيّنا وعلى فهم سلفنا، فلن تصلح هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوّلها.
-على العاملين أن يحدّدوا أولويات أعمالهم، مراعين في ذلك فقه المآلات ويضعوا في حسبانهم الفرق بين ثوابت الشرعية ومتغيراتها، مع العلم أنّ الأولويات تختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى زمان.