بعد هذا السرد فهل نُعوّل لتغيير حال الأمّة على ذاك الفكر المنهزم وهو البحث عن القوّة المادية قبل التغيير؛ ذاك الذي أدّى بالأمّة إلى كامب ديفد وإلى أسلو، بل إلى سايكس بيكو وهناك سايكس بيكو جديد و كامب ديفد جديد في الأفق، إذ تخلت الأمّة عن دورها الريادي وصار لهذا الفكر رواج في أوساط بعض الشباب الملتزم ببركة بعض المواقف المخزية والفتاوى الشاذة المنحرفة لبعض المحسوبين على العلم، وعلى رأسهم مفتي الأعداء عبد المحسن العبيكان.
كان العلماء الربّانيون إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار عزّ العلماء وإقبال الحكّام عليهم مع إعراضهم فشرأبّوا بطلب العلم توصّلا إلى نيل العز ودرك الجاه؛ فأصبح الفقهاء أو بعضهم في هذه الأعصار بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن الحكّام، أذلّة بالإقبال عليهم، غلبت الأهواء على نفوسهم، وتركوا المحجّة البيضاء، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة لينفّذوا أغراض وقرارات الحكّام فيما لهم فيه من هوى النّفس ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي.
إنّنا لو نبقى نفكّر بذلك الفكر المنهزم الساذج سنبقى إلى الأبد عقولا بلا فكر، ننظر لأنفسنا بمنظار الغرب، ونتصرّف في أمورنا كما يريده لنا الغرب.
لابدّ أن نغيّر هذا النّمط من التفكير الانهزامي، وأن ننطلق من فكرة تبعث فينا الأمل، من فكرة ذكرها الله تعالى بقوله:"كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس"لابدّ أن ننطلق من قوّة الموقف لا من موقف القوّة، فلا وجود لقوّة دون موقف فكري قوي"إنّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى سماحة الإسلام".
التغيير الذي نناشده والذي يسمّيه البعض الإصلاح لابدّ أن ينطلق من موقف قويّ لأنّنا في حاجة له أكثر من حاجتنا إلى قوّة مادّية، موقف يعلن الرّفض الواضح للمنهج الغربي الكافر، وللأنظمة المستبدّة، ويعلن المنهج الإسلامي المخالف والمناهض في ذات الوقت للمنهج الغربي ولسياسة المستبد، قد يبدوا هذا الكلام غريبا وخياليا، وهذا لأنّ الكثير يقيس الأشياء بمقاييس غربية.
أقول مذكرا هؤلاء المنهزمين وأتباعهم بما يلي:
أ-روى البخاري في صحيحه، الكتاب الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هرقل وفيه:"بسم الله الرحمن الرّحيم، من محمّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى أمّا بعد:"
فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين"يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولايتّحذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون".
قال أبو سفيان: فلمّا قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لصاحبي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة [أي: عظم أمر محمّد بن عبد الله عليه الصّلاة والسّلام، وأبو كبشة هو أحد أجداد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم] ، إنّه يخافه ملك بني الأصفر [أي ملك الرّوم هرقل] فمازلت مؤمنا أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام.
قوله صلى الله عليه وسلم إلى"هرقل عظيم الروم"فيه عدول عن ذكره بالملك أو الأمير لأنّه معزول من الحكم بحكم الإسلام، حتّى أنّ ابن أخي قيصر أنكر كونه لم يقل ملك الرّوم، لكنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يخله من إكرام لمصلحة التآلف. أنظر الفتح [1/ 38] .
هذه الرّسالة جاءت عقب صلح الحديبية أي قبل فتح مكّة، ففي ظلّ أيّة قوّة طلبت هذه الدّولة الإسلامية من إمبراطور أقوى دولة في العالم في ذاك الزّمان الدّخول في الإسلام، بل ضمّنت الرّسالة تهديدا، هل كانت تملك جيوشا جرّارة ومصانع للأسلحة وقوّات مثل قوّات هؤلاء الذين دعتهم إلى إتباعها بدل أن تتّبعهم؟ هل اقتصاد الدّولة الإسلامية يومها كانت مكافئا لإقتصاد الرّوم؟.
كانت دولة ناشئة في كلّ شيء إلاّ في قوّة المواقف، مواقف تفوق كلّ إمكانيّاتها بالحسابات المعاصرة، ولعلّه يُعدّ موقفا غير عقلي، بل تهوريّ بتعبير المدرسة الواقعية الغربية المعاصرة التي ينصرها مفتي الأعداء عبد المحسن العبيكان.
ب-وأذكّركم بقصّة وقعت لمملكة من ممالك الأندلس كان يحكمها المتوكّل بن أفطس، وكانت هذه المملكة على قواعد هذا الزّمان خارجة عن الشّرعية الدّولية، إذ كلّ المماليك إلاّ هي كانت تدفع الجزية للكفّار الّذي كان على رأسهم"ألفونسوا 6"، ومرّة بعث ألفونسوا إلى المتوكّل يوجب عليه دفع الجزية، فردّ عليه رحمه الله تعالى برسالة فيها كلّ العزّة أيّام الانحطاط قال فيها: