الصفحة 48 من 97

رضي كثير من السذّج والمغفّلين بهذه الأطروحة، وصار كثير من المثقفين والمفكّرين المهزومين يبثون هذه الأطروحة على الشعوب، ثمّ انقسم هذا الصنف من المثقّفين على نفسه: فمنهم من قال ضرورة أن تفرض هذه الديمقراطيّة من الخارج كما جرى في العراق، وأكثرهم يقول لابدّ أن يكون التغيير الديمقراطي من الدّاخل.

أبدأ معكم قصّة الديمقراطية من البداية حتّى ندرك الحقيقة:

هل تعلمون ما تعنيه الديمقراطية، وما هي حقيقتها وأسبابها؟ أقول لكم مختصرا أنّ الديمقراطية هو نمط وصول إلى الحكم، وليس هو نمط الحكم كما يظنه من لا يعرف.

احتاج الغرب الكافر إلى هذا النّمط بعد الاصطدام الّذي حصل بين الكنيسة وأفكارها الجامدة المتعصّبة المتزمتة التي كانت هي الحاكمة، وبين فئات من المجتمع، ولمّا سقطت الكنيسة ظهرت أفكار كثيرة، وفئات متنوّعة ما أدّى إلى الاقتتال فيما بينهم إلى أن وجدوا نمط التّحاكم فيما بينهم وهو الحكم إلى الشعب، ومن كانت معه الأغلبية كان له الحكم، وما على الآخرين إلاّ احترام الأغلبية والإذعان لها.

فهم احتاجوا على نمط الديمقراطية لأنّهم لا يعرفون بديلا عنه، وكانوا ابتداء متفرّقين ومتقاتلين، ومع هذا كلّه فكل دولة من هذه الدول الغربية الكافرة تعمل بمبدأ الديمقراطية مراعية في ذلك ظروف وعادات بلدانها، وانظر مثلا تطبيق هذا النمط في أنجلترا وأمريكا ودول الغرب الأخرى.

أمّا عن البلاد الإسلامية، وبعد سقوط الدّولة العثمانية، احتلّت لبرهة من الزّمان، وبعد خروج المستدمر تركوا لنا قوانينهم، وعماّلهم الذين ينفذون هذه القوانين، وعندما أرادوا غرس مبدأ الديمقراطية في عقولنا، بدأوا أوّلا بخلق أفكار داخل المجتمعات المسلمة وكلّها ليست وليدة البيئة و لا معروفة عبر التاريخ العربي والإسلامي، وفعلا أبعدوا غير قليل من فئات المجتمع المسلم عن دينه وربطوه بأفكار اشتراكية أو شيوعية أو رأس مالية مع التنبيه أنّ ّكلّ هذه الأفكار مبنية على أساس العلمنة، ولهذا في ظلّ نمط الديمقراطية ولمّا فازت أحزاب إسلامية بهذه اللّعبة -أقول هذا ولست موافقا هذه الأحزاب الإسلامية في مشاركتها في هذه التّرّهات - حصل أن صار عليهم انقلاب ضاربين عرض الحائط نمط أو مبدأ الدّيمقراطية وهو أنّ الأقلّية تحترم رأي الأغلبية وعلى هذا الأساس صرّح مجرم الحرب الجنرال خالد نزّار ومن بعده تلميذه الجنرال محمّد ألعمّاري للجزائريين: أنّنا لن نسمح بدولة ثيو قراطيّة- أي: دولة دينية - يعني كلامهما أنّهم لن يسمحوا بتطبيق الشريعة الإسلامية بأيّ وسيلة.

إذًا الديمقراطية وإن خدمت الّشعوب الكافرة الغربية لأنّها وليدة بيئتهم وظروفهم. فإنّها لن تخدم الشعوب المسلمة لأنّها وسيلة القمع والقهر، وأن تظل ّ دول المسلمين تبعا للغرب.

هذه الديمقراطية جاءت لتحقيق هدفين أساسيين في البلدان الإسلامية:

1 -إبعاد هذه المجتمعات عن الإسلام وعن الحكم بالإسلام وذلك بنشر وسائل الإغراء، فالديمقراطية تعني في العالم الإسلامي ظهور أفكار تحارب الإسلام وظهور تصرفات تخالف مبادئ الإسلام كلّ ذلك باسم الحرّية، وفي المقابل نرى الغرب الديمقراطي الحرّ- كما يزعم لنفسه - كيف يقمع الحريات القائمة على الإسلام.

2 -تشتيت وتفريق المجتمع الإسلامي إلى فئات متناطحة، فالديمقراطية في دول الغرب جاءت لتوحّد بين فئات ذووا أفكار كانت موجودة، أما في العالم الإسلامي خلقت فئات ذووا أفكار غربية شاذة، فتناطحت بعدما كانوا عموما متوحدين تحت مضلّة الإسلام، وفي المقابل رفض الأطروحات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت