فصل: بيان حقيقة الديموقراطية [1]
إنّ من أعظم النّكبات التي وقعت على الأمّة الإسلامية من مطلع القرن العشرين الميلادي وربّما قبل ذلك هو فرض القوانين الجائرة الكافرة على الأمّة المسلمة وتعطيل شريعة الله تعالى. ... هذه القوانين التي خلّفها المستعمر - الصواب تسميته بالمستخرب أو المستدمر من الخراب والدمار، لا من الإعمار- في كثير من بلاد المسلمين قبل مغادرة أرضهم مولّيا عمّاله لرعايتها وتحكيم النّاس بها، فالحكام في بلاد المسلمين هم بمثابة عمّال للمستدمر، فمصالح المستدمر عند حكام المسلمين مقدمة على مصالح الشعوب المسلمة بمقتضى القوانين المُطبقة.
فهذه الأنظمة جاءت بعد سرقة الثورات التي قامت في العالم الإسلامي لإخراج المستدمر، فمثلا في الجزائر صرّح الرّئيس السابق أحمد بن بلاّ في حصة شاهد على العصر التي تبثها قناة الجزيرة أنّ الثورة الجزائرية سُرقت في مؤتمر عقده رجال ليس لهم أيّ علاقة مع الثورة الجزائرية مع المستدمر، واتّفقوا على مبادئ صارت بمثابة القواعد الكلية لسياسة الجزائر بعد الاستقلال وهذا المؤتمر هو مؤتمر إيفيان المعروف. ... وتأمّلوا أنّ ببركة هذه القوانين ازداد فقر دول المسلمين مع أنّ أرضهم أرض ثروات، وازداد غنى دول الإستدمار لأنهم أصحاب قوانين وقرارات، وهذا ما قرّره التقرير العالمي للتنمية في البلدان العربية لسنة 2004 والّذي أعدّه د. الفرجاني، وكيف حاولت أمريكا الضغط على سحب هذا التقرير الذي حمّل الغرب الكافر في تقهقر التنمية العربية.
و يظنّ بعض المغفّلين من المسلمين أنّ المشكلة في الحكّام لا في القوانين ذاتها، أي المشكلة فيمن يطبّق هذه القوانين، وهؤلاء أصحاب هذا الفكر يجهلون أو يتجاهلون أنّ الّذي أفرز لنا أمثال هؤلاء الحكّام. ... وهؤلاء الّذين يطبّقون هذه القوانين هي القوانين نفسها، لأنّها أوّلا من وضع البشر -وهؤلاء البشر هم المستدمر- وثانيا من وضع من يريد تحقيق مصالحه على حساب الغير.
تأمّل ما قاله المفكّر الفرنسي اليوم، وبالأمس كان عاملا بإدارة المستدمر بالمغرب والجزائر"جاك بيرك"قال: إنّه لن يستتب النظام في المغرب إلاّ بغيابنا عنه اه.، هذا هو أسلوب الإستدمار الجديد، ثمّ ألم تكشف لنا التقارير التي بُثت عبر وسائل الإعلام أنّ الأمير عبد العزيز بن سعود والأمير الحسين، والرّئيس أنور السّدات كانوا عملاء للعدوّ الكافر، بل الأوّل والثالث كانا يتقاضيان الرّتب؟ وهل تظنّون أنّ القائمة محصورة في هؤلاء الثلاثة، كلاّ وما كان خفيّا اليوم سيصير واضحًا جليّا غدًا بعون الله تعالى. ... ثمّ هذه القوانين أفرزت لنا كذلك زيادة على الحكّام والّذين هم في الحقيقة عمّال لدى المستدمر:
-أهل المنطق التبريري قال الأستاذ محمد سليم قلالة: وهذا المنطق هو محاولة تلفيقية بين منهجين منهج إسلامي ومنهج غربي، يعتنق هذا المسلك الكثير من المثقّفين وعامّة الناّس اليوم، فهم يزعمون أنّهم مسلمون شيوعيون، أو مسلمون ليبراليون، اختاروا هذا المسلك لأنّهم غير قادرين على اختيار منهج واضح، لذلك يدخلون في عملية تبريرية لا نهاية لها لتبرير سلوكهم وتصرفاتهم وأعمالهم التي بالضرورة تكون متناقضة لأنّها مستقاة من منهجين متناقضين اهـ.
-كما أفرزت لنا هذه القوانين فئة تأكد لديها فشل المنهج والقانون الغربي في حل مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية لأنّه يصل في أغلب الأحيان إلى نتائج لا تصلح إلاّ لعلاج مشكلات المجتمع الغربي، ولمّا تأكّدوا لهذه النتيجة عملوا على خلق المجتمع الذي يشبه المجتمع الغربي حتّى يمكن أن تُطبّق عليه مناهجهم في يوم ما، وفعلا ظهرت أنماط من الثقافات والأفكار مشابهة للأنماط الغربية، وكلّ من يحاول صدّ هذا المسلك يتّهم بالرجعية.
-وممّا أفرزته لنا كذلك هذه القوانين والمناهج الغربية فئة أرادت الانفصال عن الغرب ومن الغريب يحاولون الانفصال عنه بمناهج غربية، متجاهلين أنّ هذه المناهج لن تؤدّ قط إلى الانفصال والاستقلال عنه، بل عكس ذلك تؤدّي باستمرار إلى مزيد من الالتصاق به والحاجة إليه والذوبان فيه. ... ومنه فمحاولات الأحزاب الإسلامية في التغيير أو في الانفصال عن الغرب عن طريق مناهج غربية كالمشاركة في الانتخابات هو خطأ كبير ترتكبه هذه الأحزاب، فهو خطأ سياسي وخطأ شرعي، وذلك بمقتضى العقل و الشرع، إذ بمشاركتهم في الانتخابات هو إعطاء مصداقية لهذه القوانين الوضعية التي تحكمهم ولن يقدروا الخروج عنها بل مطالبون بحمايتها والخضوع لها. ... ثم قولنا بعدم جواز الحزبية والمشاركة السياسية في إطار هذه القوانين الوضعية لا يعني البتة أن نكون بمعزل عمّا يجري بل لابدّ أن نُسمع أصواتنا ونُعلم الجميع بما فيهم هذه الحكومات أنّ لنا آراء في مختلف سياستهم، لأنّ الكثير ظنّ بعدم جوازنا للمشاركة السّياسية أن نبقى محايدين مما يجري، فهذا ظنّ سخيف وأسخف منه من ينادي بهذه العزلة والتي أطلق عليها الطّرقية بثوبها الجديد. ... وفي ظل فساد الأنظمة الحاكمة التي هي من إفرازات القوانين التي وضعها الغرب الكافر، وولّى عليها هؤلاء الحكام، في ظل ذلك بدأنا نسمع في هذه الآونة
(1) - كتبته في شهر ذو القعدة 1425 و ألحقتُ به الهوامش يوم 14 جمادى الآخرة 1426